إن التفكير العلمى هو الصلة التى ربطت البشرية منذ أقدم عصور التاريخ طولاً
أيها الإخوة:
لقد أسعدنى أن أحضر معكم الليلة احتفال عيد العلم، فى صحبة الصديق العزيز، والمناضل الآسيوى الممتاز "شواين لاى" رئيس وزراء الصين الشعبية الذى يزور بلادنا الآن، رمزاً حياً لشعب الصين العظيم، صانع الحضارة القديمة الرائدة، فى عصور الفكر الإنسانى الأولى وصانع الثورة الصينية، التى هى الآن فى مقدمة القوى المؤثرة والمحركة لتيار التاريخ المعاصر.
وأنتم تعلمون - أيها الإخوة - أنه يسعدنى دائماً، أن أحضر معكم احتفال عيد العلم، فإن قدومى إليكم هنا فى مناسبته، واللحظات التى نقضيها معاً، نتابع موكب العلم الجديد فى كافة مجالاته، يخطو إلى أمام ويتقدم، تمنحنى طمأنينة وأملاً؛ فإن موكب العلم أمامى هو المظهر النابض لحركة أمتنا داخل حدود المستقبل.
إن التفكير العلمى هو الصلة التى ربطت البشرية منذ أقدم عصور التاريخ طولاً، ثم هو الصلة التى تشد شعوب الأرض وتوحد بينها فى أى لحظة من لحظات الزمان. والعمل العلمى بعد التفكير العلمى، هو الجسر الوحيد الذى تستطيع به أمتنا أن تعبر بالقوة والأمان من مرحلة إلى مرحلة، وهو القوة القادرة على طى المسافة من التخلف إلى التقدم، وأكثر من ذلك، فإن العمل العلمى هو ضمان الاستمرار، والأسلوب العلمى فكراً وعملاً، هو الصيغة الملائمة والإنسانية للتقدم.
وأخص خصائص الأسلوب العلمى ثلاث صفات:
الأولى: أن الأسلوب العلمى، أسلوب عمل مشترك وجماعى؛ فليس هناك فرد يستطيع وحده اختراق حواجز المجهول، وتطويع المعرفة، وإنما كل فرد يعمل مع غيره، وكل جهد يرتكز على جهد سبقه ثم تتكفل حركة الجميع معاً، بارتياد الآفاق الجديدة وفتحها رحبة وعريضة.
والصفة الثانية: أن الأسلوب العلمى فكراً وعملاً، هو أسلوب لخدمة الحياة ذاتها، لا لخدمة صاحبه فقط. وأن العلم الذى لا يخدم غير صاحبه لا يفترق فى قليل أو كثير عن بعض أنواع السحر، كتلك الأحلام المشوشة التى نقرأها فى بعض صفحات تاريخ القرون الوسطى، عن الذين أضاعوا حياتهم، يريدون تحويل تراب الأرض إلى تبر - ذهب - لكى يضمنوا الغنى لأنفسهم؛ فما وصلوا لشىء لأن فكرهم لم يستطع أن يكسر حدود أنانيتهم الذاتية.
والصفة الأخيرة: أن الأسلوب العلمى - بالطبيعة - حركة منظمة نحو الأمام، طبقاً لمنهاج وعلى أساس خطة. وإلا، فإن أى ارتفاع طارئ مهما علا، يصبح مجرد قفزة فى الهواء، أو موجة شامخة لا تستطيع غير أن تحطم نفسها وتتلاشى على الصخور.
فى كافة مجالات العلوم الإنسانية والطبيعية تصدق هذه المقاييس ولا صدق إلا بها، بل إن الثورة ذاتها، خلافاً على ما قد يبدو على السطح من عدم خضوعها لأى مقياس، هى فى واقع أمرها تدليل على صدق هذه المقاييس. إن الثورة - كل ثورة - لا تستحق اسمها إلا إذا اعتمدت الأسلوب العلمى فكراً وعملاً طريقاً لها. إن الثورة ليست مجرد غضب الثوار على الأوضاع القديمة التى تستبد بمجتمعهم وتعرقل حركته وتحول دون انطلاقه، وإنما الثورة هى علم التغيير الاجتماعى الشامل والعميق لصنع حياة جديدة تفى بمطالب الثوار وآمالهم.
والثورة الصينية - على سبيل المثال - التى تواجه الآن أضخم التحديات فى عالمنا المعاصر، تحدى صنع حياة جديدة لأكثر من سبعمائة مليون من البشر؛ أى نحو ثلث سكان الدنيا بأسرها، لم تكن مجرد غضب ضد التخلف وضد الاستعمار، أو ضد مساوئ وانحرافات الكومنكان؛ وإنما عظمة ثورة الصين أنها تجاوزت ذلك كله، وداست عليه فى طريقها إلى التغيير الحقيقى لحياة سبعمائة مليون من الناس وصنع غد أفضل لهم جميعاً.
إن "ماوتسى تونج" ورفاقه - وبينهم هذا الصديق العزيز الجالس معنا الآن - تقدموا لمسئوليتهم الضخمة باستيعاب كامل لتاريخ الشعب الصينى، ومطالبه، وآماله؛ ولهذا استطاعوا علمياً أن يعبروا عنه، ثم استطاعوا علمياً أن يتحركوا به إلى الثورة، ثم بدأوا علمياً يضعون خطط التغيير الكبير.
إن الثورة بالنسبة لأى شعب من الشعوب هى الواقع الذى يستوعب تاريخ هذا الشعب وآماله على ضوء حركة التقدم الإنسانى بشمولها وبالتطلعات الهائلة التى تسير نحوها.
وعلى هذا الضوء فإن العمل الثورى العلمى يتكشف فى أبعاده المترامية المجيدة والخطيرة فى ذات الوقت.
أيها الإخوة:
إن الأمة العربية تقف اليوم على حافة الانتقال من مرحلة إلى مرحلة، ولتكونوا وليكن كل ما تحصلونه من علم جسراً نعبره بالقوة والأمان إلى داخل المستقبل، ولترتفع المشاعل بأيديكم على آفاق الغد. وفقكم الله.
والسلام عليكم ورحمة الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلمة الرئيس جمال عبد الناصر فى الاحتفال بعيد العلم من جامعة القاهرة
بتاريخ السادس عشر من ديسمبر العام١٩٦٣م.