الوحدة لم تكن إلا إرادة شعبية حققت حريتها الكاملة وخلصت نفسها من كل أثر لنفوذ أجنبى

الوحدة لم تكن إلا إرادة شعبية حققت حريتها الكاملة وخلصت نفسها من كل أثر لنفوذ أجنبى

أيها المواطنون:

لقد اجتمعنا فى هذا المكان لنحتفل بعيد الوحدة ومولد الجمهورية العربية المتحدة، ويسعدنى أن يشترك معنا فى هذا الاحتفال الرئيس "تيتو" وزملاءه، وباسم شعب الجمهورية العربية المتحدة - باسمكم - أرحب بالرئيس "تيتو" فى الجمهورية العربية المتحدة.

أيها المواطنون:

إن الذى نحتفل به اليوم ليس مولد وحدة فقط، ولا هو مولد دولة كبرى فقط؛ إنما هو مولد إرادة، ولم تكن الوحدة إلا التعبير الذى اختارته هذه الإرادة لتعبر به عن نفسها، وإلا الشكل الخارجى الذى قررته لحياتها، وإلا المظهر الذى ارتضته لوجودها، لم تكن الدولة الكبرى - الجمهورية العربية المتحدة - إلا ثمرة لهذه الإرادة ونتيجة من نتائجها وأثراً من آثارها.

والواقع - أيها الإخوة - أن الوحدة لم تكن إلا إرادة شعبية حققت حريتها الكاملة وخلصت نفسها من كل أثر لنفوذ أجنبى، ثم حددت لنفسها طريقها، بل وفرضته فرضاً على حكامها، والدليل على ذلك أن الوحدة لم تتحقق إلا بعد كفاح طويل كان هدفه منذ بدايته إلى نهايته الحصول على الحرية، وكانت الإرادة.. كانت الإرادة - أيها الإخوة إرادتكم - هى نتيجة الحرية، ذلك أنه لا إرادة ما لم تكن هناك حرية.

ولقد قطعنا - أيها الإخوة - لقد قطعنا طريقاً طويلاً لنملك حريتنا، ومن ثم لتكون لنا إرادتنا. كانت المنطقة تراودها الآمال الكبار، ولكن الآمال لا تتحقق إذا لم تفتح الطريق أمامها إرادة العمل، ولا إرادة من غير حرية. هكذا كان السعى للحرية فى جميع أشكالها السياسية والاقتصادية والاجتماعية هو فى حقيقة أمره استخلاصاً للإرادة الحرة المستقلة، تصنع بنفسها مستقبلها، وتشكل بأصابعها ملامح الغد العزيز الكريم الذى تتمناه. التحرر من الاستعمار - أيها الإخوة - هو تحرير للإرادة المستقلة، والتحرر من الإقطاع هو تحرير للإرادة المستقلة، والتحرر من سيطرة رأس المال على الحكم هو تحرير للإرادة المستقلة، فإذا ما قامت الحرية وإذا ما قامت الإرادة المستقلة نتيجة لها، كان الطريق بعد ذلك واضحاً مستقيماً لكى يقوم كل شعب بتجربته العظيمة فى تحقيق آماله وأمانيه.

من هنا - أيها الإخوة المواطنون - تستمد الوحدة قوتها الضخمة، ومن هنا - أيها الإخوة المواطنون - تستمد الوحدة قيمتها المقدسة، من حيث كونها تعبيراً عن إرادة حرة مستقلة ومن حيث كونها نتيجة لهذه الإرادة الحرة المستقلة. وإذا كانت المنطقة التى نعيش فيها قد تعلمت خلال تاريخها الطويل أن الكفاح من أجل القوة والحياة تلازم مع الكفاح من أجل الوحدة، فإنه لا ينبغى علينا أن ننسى أن ذلك أيضاً كان تعبيراً عن الإرادة، كان الكفاح من أجل القوة إرادة الحياة وكان الكفاح من أجل الوحدة إرادة النصر.

ذلك - أيها الإخوة - درس التاريخ الطويل والكفاح المستمر، تاريخ هذه المنطقة التى نعيش فيها فى العصور القديمة، تاريخ هذه المنطقة التى نعيش فيها فى مواجهة الإمبراطوريات الغازية؛ الإغريق، والرومان، والحروب الصليبية، والفتح العثمانى، تاريخ هذه المنطقة فى مواجهة الاستعمار.

هذا كله دفعنا إلى الجهاد والقتال، إلى إرادة الحياة، وجمعتنا على الطريق - أيها الإخوة - إرادة النصر. وفى السنوات الأخيرة فى التاريخ الذى رأيناه جميعاً وعشناه - بل صنعناه - نجد الدرس واضحاً ونجد العبرة ماثلة. لقد حملنا رايات الكفاح، وخضنا المعارك بعد المعارك لكى نملك إرادة العمل الإيجابى؛ خضنا المعارك ضد الاستعمار، وخضنا المعارك ضد أعوان الاستعمار لكى نملك إرادة العمل الإيجابى، خضنا المعارك ضد الاحتلال، وخضنا المعارك ضد قوات الاحتلال، فى مصر ضد بريطانيا وفى سوريا ضد فرنسا، وفى كل بلد عربى ضد الاستعمار وقوات الاستعمار، وقاتلنا قتالاً مريراً، وسقط منا الشهداء، وروينا بدماء جرحانا ميادين القتال، وضربت دمشق الخالدة بالمدافع، وانصب رصاص الغاصبين على الأطفال فى شوارع القاهرة والإسكندرية والإسماعيلية وأسيوط، وفى كل بلد من بلاد الوطن العربى. وقاومنا احتكار السلاح بعد أن تبين لنا أن الاستعمار لا يعطى السلاح إلا إذا كان واثقاً أنه سيحارب معه وفى صفه من أجل أهدافه.. قاومنا احتكار السلاح بعد أن اتضح لنا أن الاستعمار ليس على استعداد لأن يبيع لنا سلاحاً نشتريه، وإنما هو على استعداد لأن يبيع لنا السلاح ليشترينا ويضعنا ضمن مناطق نفوذه.

ولقد أدركنا - أيها الإخوة - أن الاستعمار فى هذا منطقى مع نفسه ومنطقى مع مطامعه، ما هى مصلحته فى سلاح يعطيه لنا وقد يجده مصوباً إلى صدره؟ هو استخلاص لحقوقنا المغتصبة، قاومنا احتكار السلاح وكافحنا ضد احتكار السلاح، وكذلك - أيها الإخوة - قاومنا بقايا قرصنة القرن التاسع عشر واحتكاراته ممثلة فى شركة قناة السويس، وقاومنا استعمار القرن التاسع عشر.

أيها الإخوة:

هكذا قاومنا احتكار السلاح وقاومنا بقايا قرصنة القرن التاسع عشر واحتكاراته، وقاومنا أيضاً - أيها الإخوة - استعمار القرن التاسع عشر حينما حاول أن يعيد عجلة الزمان إلى الوراء ويجئ فى وسط القرن العشرين - فى عز القرن العشرين - ليغزو ويدمر. واستطعنا - أيها الإخوة - أن ننتصر على الغزو وأن ننتصر على العدوان، كما استطعنا قبل ذلك أن ننتصر على احتكار السلاح، وأن ننتصر على قرصنة القرن التاسع عشر باحتكار قنال السويس.

قاومنا المؤامرات أيضاً - أيها الإخوة - المؤامرات التى وصلت إلى حد الاغتيال، اغتيال الشعوب بتجويعها وحصارها اقتصادياً، واغتيال الأفراد بالتحريض على القتل واستئجار القتلة، قاومنا كل ذلك. قاومنا المؤامرات التى دبرت ضد بلادنا هنا فى مصر وهناك فى سوريا من أجل القضاء على الحكم الوطنى، ومن أجل تمكين أعوان الاستعمار من رقابنا. وقد أثبتت الوثائق التى حصلنا عليها بعد ثورة العراق ما كان يدبره حلف بغداد ضد سوريا وضد الشعب السورى للقضاء على حريته، وللقضاء على الحكم الوطنى فيه. إن ما استطعنا أن نراه وإن ما استطعنا أن نكشفه إنما يبدو كالحكايات والأساطير، ولم يكن هذا إلا جزء صغير من الحقيقة التى دبرت ضد هذا الشعب المكافح فى سبيل الحرية وفى سبيل الاستقلال. استطعنا أن نرى الوثائق التى تثبت تهريب السلاح إلى سوريا، وأن نرى الوثائق التى تثبت دفع الأموال إلى أعوان الاستعمار حتى يمكنوا الاستعمار من الشعب السورى ومن حرية الشعب السورى، أموال دفعت للقتل، ودفعت للفوضى، ودفعت لقلب أنظمة الحكم الوطنى التى كانت فى هذا الوقت ضد الاستعمار وضد أعوان الاستعمار.

والعجيب - أيها الإخوة المواطنون - أنه فى نفس الوقت الذى كان الاستعمار يتآمر ويفعل هذا كله، كان يتهم القوى الوطنية بما يفعله هو، كانت دعايات حلف بغداد تفعل ذلك؛ تحرض على القتل وتدعى أننا نحرض على القتل، تدفع المال للمؤامرات وتدعى أننا ندفع المال للمؤامرات، تدبر المؤامرات وتدعى أننا ندفع المال للمؤامرات، تدبر المؤامرات وتدعى أننا ندبر المؤامرات، تستخدم الأعوان والعملاء وتدعى أننا نستخدمهم، تتهمنا دائماً - أيها الإخوة - بما تقترفه هى حتى شاءت إرادة الله أن تكشف بالوثائق فى بغداد عن حقيقة ما كان يخفيه أعداء القومية العربية، وعن الأسلوب الذى كانوا يتبعونه فى سبيل تحقيق أهدافهم.

كانت - أيها الإخوة - هذه المعارك كلها فى حقيقتها دفاعاً عن حريتنا أو بمعنى أدق استخلاصاً وانتزاعاً لإرادتنا الحرة المستقلة، هنا قيمة الوحدة وأهميتها وقداستها حينما جاءت فى أعقاب هذا كله. كانت الوحدة - أيها الإخوة - نتيجة لإرادة حرة مستقلة، بل كانت - أيها الإخوة - إملاءاً لإرادة حرة مستقلة فرضتها الجموع فى سوريا وفرضتها الجموع فى مصر على الحكام وألزمتهم بها، وانتصرت إرادة الشعب فى سوريا وانتصرت إرادة الشعب فى مصر وقامت جمهوريتكم؛ الجمهورية العربية المتحدة.

أيها الإخوة المواطنون:

أصارحكم أننى لم أكن أتصور أن الوحدة ستجىء بهذه السرعة، وقد تكون الوحدة أملاً نحلم به جميعاً، ولكن كان تصورى أن المستقبل هو الذى سيشهد تحقيقها وليس الحاضر. كنت أتصور - أيها الإخوة - ذلك عن تقدير للظروف المحيطة بنا والصعوبات التى تعترضنا، وكنت أدرك أن معركة حماية الوحدة ستكون أعنف معاركنا. وكان يراود خاطرى أحياناً أن جيلنا تحمل الكثير من المعارك؛ المعارك ضد الاستعمار وضد أعوان الإستعمار، ضد الإقطاع وضد سيطرة رأس المال على الحكم، ضد الاحتكارات الدولية، ضد احتكار السلاح، ضد العدوان المسلح، ضد الحصار الإقتصادى. كان يراودنى - أيها الإخوة - أحياناً أن جيلنا تحمل الكثير من المعارك، وكنت أقول: ليس من حق جيلنا أن يحمل وحده شرف أعظم معاركنا ولا يترك منها ما يحمله أمانة لمن يجئ بعده من الأجيال.

كنت أعرف - أيها الإخوة - أن الوحدة ستثير العواصف، سوف تجمع الأعداء، سوف تدفعهم إلى معارك لا هوادة فيها. ولم أكن - أؤكد لكم أيها الإخوة - أشفق على نفسى من المعركة الكبرى التى كان لابد أن نخوضها لحماية الوحدة إذا ما استقرت عليها إرادتنا، إنما كان قلبى معكم أنتم الذين خضتم المعارك بعد المعارك. ولكنى لما وجدت أنها إرادتكم لم يكن من حقى أن أعترضها، إنما كان واجبى أن أبصر الشعب بما يتعين عليه أن يواجهه. ليس من حق مسئول أن يعترض إرادة شعبه، وإنما واجبه أن يشرح له الجهد الذى يتعين عليه أن يبذله إذا ما أراد أن يفرض إرادته، فإذا ما ارتضى الشعب أن يدفع الثمن أصبحت الإرادة واجباً.

هكذا - أيها الإخوة - فى يوم إعلان مشروع الوحدة وقبل الاستفتاء قلت فى خطابى لمجلس الأمة - بتاريخ ٥ فبراير سنة ١٩٥٨ - قلت: على أننى أرى أنه من واجبى فى هذه اللحظات أن أصارحكم وشعب الجمهورية العربية المتحدة كله معكم أن الطريق الذى نقبل عليه شاق وطويل، إن رحلتنا عليه ليست نزهة نروح بها عن النفس، وإنما رحلتنا عليه مشاق ومتاعب وكفاح وجهاد، ولكن هذه كلها هى الثمن العادل للأمل الكبير الذى نسعى إليه. هذا ما قلته - أيها الإخوة - فى شهر فبراير من العام الماضى.

وكانت نتيجة الاستفتاء كما تعلمون؛ قرر الشعب فى سوريا وفى مصر أن يقبل التحدى، قرر أن يخوض المعركة، قرر أن يواصل النضال، قرر أن يرسم بنفسه طريق الواجب أمام حكامه، أملى الشعب إرادته، قرر بإرادته الحرة المستقلة التى حصل عليها بعد الكفاح الطويل أنه يريد الوحدة ويريدها على النحو الذى حدث، لا يريد أن ينتظرها بالتطور الطويل البطىء، وإنما يريدها فورية، يريدها ثورية.

وقامت الجمهورية العربية المتحدة.. قامت الجمهورية العربية المتحدة - أيها الإخوة - قامت الدولة الكبرى الجديدة فى هذا الشرق، دولة كما قلنا يومها ليست دخيلة فى هذا الشرق ولا غاصبة، ليست عادية عليه ولا مستعدية، دولة تحمى ولا تهدد، تصون ولا تبدد، تقوى ولا تضعف، توحد ولا تفرق، تسالم ولا تفرط، تشد أزر الصديق، ترد كيد العدو، لا تتحزب ولا تتعصب، لا تنحرف ولا تنحاز، تؤكد العدل، تدعم السلام، توفر الرخاء لها ولمن حولها، للبشر جميعاً بقدر ما تتحمل وتطيق.

أيها المواطنون:

قامت هذه الدولة الكبرى.. الجمهورية العربية المتحدة، التى نحتفل اليوم جميعاً بعيدها الأول، ومن واجبى - أيها الإخوة - أن أقول لكم: أن التهنئة الحقيقية فى هذا العيد الأول للوحدة ليست للعيد ذاته، أهم من الاحتفال، أهم من كل الذكريات، أعظم من كل ما أنجز فى هذا العام الواحد من أعمال مادية؛ إن الذى يستحق التهنئة الحقيقية هذا اليوم هو الصلابة التى تحمل بها شعب الجمهورية العربية المتحدة تبعات إرادته التى فرضها حتى على حكامه. لقد عصفت العواصف من حولنا، واشتدت المؤامرات، وأطلقت حرب الأعصاب من عقالها بكل ما فى مخازنها من تهديدات، وأطلقت الإشاعات والهمسات والسموم، بل ونزلت الجيوش من الجو والبحر من حول الجمهورية العربية المتحدة وعلى حدودها؛ فما هانت صلابتكم، ولا خف تصميمكم على ما تريدون. ولقد كنت أدرك - أيها الإخوة - أنكم ستواجهون المعركة بثقة، فإنكم مررتم بطريق طويل قبل أن تصلوا إليها، وخضتم معارك عنيفة قبلها، كنت أدرك - أيها الإخوة - أن الطريق الطويل أهلكم للمرحلة التى تصديتم لها، وكنت أدرك - أيها الإخوة - أن المعارك العنيفة أكدت جدارتكم لانتزاع النصر فى هذه المعركة الجديدة، ومع ذلك - أيها الإخوة - فإنى أقول لكم اليوم برضى وفخر: أن صلابتكم فاقت كل الآمال، لقد وصلتم بكفاحكم إلى حدود أمانيكم، ووضعتم راية القومية العربية حيث أردتم لها أن تكون.

أيها الإخوة:

وكان موقفكم واضحاً وضوح الشمس، لقد حققتم لأنفسكم العزة والكرامة والقوة، هكذا صارت لكم الحرية؛ إذ أصبحت منابع آمالكم كلها فى أيديكم ثم كانت إرادتكم الحرة المستقلة، أدركتم أن العمل الإيجابى وليد الإرادة، وإن الإرادة بدورها وليدة الحرية.

كان ذلك - أيها الإخوة - هو معنى الوحدة؛ إرادة تحررت ثم قررت، وكانت نتيجة ما قررناه فى ذلك اليوم - يوم الوحدة - نتيجة حاسمة بل نتائج حاسمة؛ حققنا أملاً، رسمنا نموذجاً وطريقاً، ثبتنا استقلالاً، أقمنا حصناً لأمتنا، كنا نصراً للحرية فى كل مكان حولنا، لكى يكون لغيرنا ما يريدون، سواء اختاروا بإرادتهم طريقنا أو اختاروا بإرادتهم طريقاً غيره. وخلال العام الذى قامت فيه جمهوريتنا الجديدة كانت الحوادث - أيها الإخوة - مصداقاً لكل ما عاهدنا أنفسنا على القيام به ونذرنا جهودنا لتحقيقه.

وحينما قامت ثورة العراق العظيمة.. حينما قامت ثورة العراق العظيمة كانت الحدود المشتركة بين الجمهورية العربية المتحدة وبين الجمهورية العراقية الشقيقة أكبر عوامل الطمأنينة لدى شعب العراق وجيش العراق؛ حتى حينما كانت الثورة مازالت آمالاً تعتمل بها الصدور ثم بعد الثورة كان موقفنا فى الخطر أمامهم؛ كان جيشنا جيشهم وسلاحنا سلاحهم وحدودنا حدودهم، وكان كل ما لنا لهم، وكل ما عندنا تحت تصرفهم.

كذلك كانت - أيها الإخوة - الحدود المشتركة للجمهورية العربية المتحدة مع لبنان ومع الأردن العون الأكبر فى إرغام القوات الأجنبية على أن تدرك فشل ما جاءت من أجله، ومن ثم تحمل عصاها على كاهلها وترحل، وتنتصر إرادة شعب لبنان وتنتصر إرادة شعب الأردن.

ثم كانت - أيها الإخوة - الحدود الجديدة للجمهورية العربية المتحدة خطوة إيجابية هامة فى مواجهة خطر العدوان الإسرائيلى؛ فلم تعد إسرائيل اليوم بقادرة على أن تضرب يوماً فى الجنوب وتهرب، ثم تضرب يوماً فى الشمال وتهرب، وأصبحت إسرائيل لأول مرة تواجه فى الشمال وفى الجنوب قيادة واحدة، فلن تستطيع أن تضرب الشمال ثم تعود للجنوب أو أن تضرب الجنوب ثم تعود للشمال، وتحارب على جبهات متفرقة غير متحدة.

هذا - أيها الإخوة - هو ما حدث فى عام وهذا - أيها الإخوة - هو ما تحقق، ولقد كان يمكن أن نكتفى بهذا ونعيش عليه لو أن حركة القومية العربية واتجاهاتها، ولو أن إرادتها الإيجابية كانت مجرد حركة سياسية، ولكن ذلك - أيها الإخوة - ليس صحيحاً. إن القومية العربية ليست فقط حركة سياسية؛ إنما هى أيضاً فلسفة اجتماعية، إنها نداء عاطفى، وهى مصلحة مشتركة، وهى ضرورة استراتيجية، ولكنها قبل هذا كله فلسفة اجتماعية، كما هى شعارات لابد أن تكون أيضاً تخطيطاً اجتماعياً، وكما هى جموع وحشود لابد أن تكون أيضاً تعبئة اقتصادية كاملة، وكما هى طاقة حماس لابد أن تكون أيضاً جهداً وعرقاً، وكما هى حلماً لابد أن تترجم إلى مستوى معيشة لائق لجميع العرب.

تلك - أيها الإخوة - هى الحماية الحقيقية للقومية العربية؛ ذلك أنه لا كرامة لجائع، ولا قوة لمريض، ولا طمأنينة لمن لا بيت له، ولا مقاومة ولا صمود لمن لا يطمئن إلى غده، ولمن لا يشعر أن من حوله مجتمعاً يكفله ويرعاه، لا يسلبه حقه ولا يستغله ومن ثم لا يهدر حريته. كان كل ما حققناه كما قلت - أيها الإخوة - كافياً لو أن القومية العربية كانت حركة سياسية فقط، أما وهى فلسفة اجتماعية، فإن معنى كل ما تحقق حتى الآن أننا وضعنا راية كفاحنا عند حدود أمانينا، وصلنا - أيها الإخوة - إلى الحدود فقط.

وما من شك أننا خطونا بعد الحدود خطوات خلال السنة الماضية؛ خطونا خطوة بالإصلاح الزراعى فى الإقليم السورى، ولسوف نوزع هذا الأسبوع فى سوريا سبعين ألف هكتار فى الأراضى السقى و٧٠٠ ألف هكتار فى الأراضى البعل و٢٠ ألف هكتار فى الأراضى المشجرة فى عيد الوحدة، ٢٧ قرية فى سوريا مساحتها ٧٠٠ ألف دونم توزع فيها أراضى على ٢٨٣٤ أسرة عدد أفرادها ١٦.٣٣٢ فرد. (تصفيق).

هذا - أيها الإخوة - المعنى لفلسفة القومية العربية، إنها ليست فقط دعوة سياسية ولكنها أيضاً دعوة اجتماعية. إن الدفعة الثانية فى تصفية الإقطاع فى الإقليم السورى ستكون نص مليون دونم، توزع على الفلاحين الذين لم تكن لهم الفرصة لأن يتملكوا أى أرض حتى الآن.

أيها الإخوة:

إننا على حدود الثورة الاجتماعية التى تعبر عنها القومية العربية، كما حققنا القضاء على الإقطاع حققنا أيضاً فى هذا العام خطوة بمشروع الخمس سنوات فى سوريا للتصنيع؛ هذا المشروع الذى أعلن والذى بدأ فعلاً، والذى يتكلف ٥٦٠ مليون ليرة. خطونا خطوة أخرى فى سبيل تحقيق العدالة والمساواة بإلغاء قانون العشائر، وأن تكون المساواة هى الراية التى يلتف تحتها جميع المواطنين.

خطونا - أيها الإخوة - خطوات فى القضاء على الإقطاع، وفى التصنيع، وفى البناء الاجتماعى، وبهذا تلتقى الناحية السياسية للقومية العربية بالناحية الاجتماعية للقومية العربية. خطونا خطوة بمشروع السنوات الخمس للبترول فى الإقليم السورى، بدأ تنفيذه فعلاً، وهو يتكلف ٢٥ مليون جنيه. خطونا خطوة أخرى فى الإقليم السورى باكتشاف الخامات، وقد اكتشف فى سوريا خامات للحديد فى ثلاث مناطق حتى الآن، وفيها نسبة كبيرة من الحديد، وستبدأ فى المستقبل استخراج خام الحديد من الإقليم السورى ليكون مع خام الحديد فى الإقليم المصرى أساس الصناعة الثقيلة فى وطنكم.. الجمهورية العربية المتحدة. وإن اكتشاف الحديد الخام فى الإقليم السورى هو بشرى نعتز بها، وقد أثبتت النتائج فى الخامات التى وجدت أن نسبة الحديد بين ٦٠% و٧٥% فى ثلاث مناطق فى الإقليم السورى.

خطونا خطوة بمشروع الخمس سنوات للبترول فى الإقليم المصرى، وخطونا خطوة بالبدء فى تنفيذ مشروع السد العالى، وخطونا خطوة بالبدء فى تنفيذ مشروع الوادى الجديد، وبدأنا خطوة فى البدء فى إقامة السدود والمشاريع الزراعية فى الإقليم السورى.

كل هذه - أيها الإخوة - ليست الأعمال الكاملة التى تعبر عن الثورة الاجتماعية، ولكنها خطوات على الحدود وبعد الحدود بالنسبة للفلسفة الاجتماعية وللمفهوم الاجتماعى الذى نفهمه للقومية العربية. ومنذ أيام - أيها الإخوة - كنت أقرأ تقريراً عما تم فى إقليمى الجمهورية العربية المتحدة فى خلال هذه السنة، وليس هدفى اليوم أن أقف أمامكم أردد بعض الإحصائيات والأرقام عما تم وأنجز، وليست المسألة مثلاً أن أقول: أنه خلال العام الماضى أنشئت فى سوريا ٩٩ مدرسة جديدة وفى مصر ٢٥٠ مدرسة جديدة، أو أقول: أن الاتجاه العلمى يزيد مثلاً فى سوريا بدليل أن طلبة الهندسة فى العام الماضى زادوا فى جامعة دمشق بنسبة ٢١٥%، وأن طلبة الطب زادوا بنسبة ١٠٠%، وأن طلبة التجارة زادوا بنسبة ١٣٠%، أو أقول: أن اعتمادات إنشاء الطرق فى الإقليم الشمالى زادت فى هذا العام ١٠٠%، كانت ٧ مليون ليرة وأصبحت ١٥ مليون ليرة.

هذا الترديد إنما يعبر عن الخطوات الأولى فى الوحدة، المشروعات التى طرحت فى العام الماضى فى المناقصات فى الزراعة والمشروعات الزراعية ٥٥ مليون ليرة، قيمتها فى الأعوام الثمانية السابقة كانت ٢٥ مليون ليرة. مشروع الغاب يتم كله سنة ٦١، مشروع اليرموك فى سوريا يتم كله سنة ٦١، وصلت المياه النقية فى سوريا إلى ٣٩ قرية، تم حفر ٥٤ بير، أعيد تنظيم المصرف الزراعى، قدم قروض سنة ٥٨ مجموعها يزيد عن ٧٠ مليون ليرة، وضعت برامج للخدمات الاجتماعية والصحة لإقامة مستشفيات فى حلب وحماه والسويداء وفى الرقة ودير الزور والقامشلى واللاذقية.

قامت جمعيات تعاونية؛ ٥٤ جمعية تعاونية فى سوريا - زراعية - ٩ جمعيات لبناء المساكن، ٥ جمعيات إنتاجية للعمال، ٦ جمعيات تعاونية منزلية، جمعيات تعاونية لصيد الأسماك، اتحاد تعاونى إقليمى، جمعيات تعاونية للتسليف وللادخار، جمعيات تعاونية للخدمات الاجتماعية.

دى بداية الطريق الاجتماعى لوضع فلسفة القومية العربية موضع التنفيذ. وضعت مشروعات للمياه، وضعت مشروعات للإسكان، وضعت سياسة تموينية. طبعاً من الناحية الاجتماعية ومن الناحية الإنتاجية، مصنع الحديد أيضاً هنا فى مصر بدأ الإنتاج. طبعاً الموضوع والمناسبة ليست خطب، وليست تعداد، وليست وعود، وليست أرقام، ولكن الموضوع والمسألة فى تقديرى أعمق من هذا بكثير.

لو حاولت - أيها الإخوة - أن أقيس الأمور بمقياس ما تم فى العام الماضى وأنجز فعلاً لكنت أظلمكم بذلك وأظلم نفسى، إنما الذى يهمنى أننا بدأنا العمل، بدأنا الدراسة، بدأنا التخطيط الشامل، أخذنا وضع التحفز للانطلاق والعمل، بدأنا نخطو من الحدود التى وصلنا إليها إلى قلب الأمانى التى نتمناها، بدأنا نتحرك ونحن نعرف أين تقع خطانا وندرك صعوبة المهمة التى نسعى إليها. إننا نريد أن نصنع مجتمعاً جديداً، إن محاولة صنع مجتمع جديد كمحاولة تغيير الطبيعة؛ علينا أن نزيل الجبال العاتية من رواسب قرون الظلم والاستعمار والفساد، علينا أن نتخطى عقبات الزمان الذى ضاع علينا حتى الآن، وجعلنا نتخلف عن عصر النهضة بعد أن طلع علينا أيضاً عصر الذرة وعصر الفضاء.

أمامنا مهمة شاقة، أمامنا هدف هو المجتمع الاشتراكى الديمقراطى التعاونى الذى نسعى إلى تحقيقه، والذى أعلنا أننا سنعمل جميعاً يداً واحدة حتى نصل إليه. هذا المجتمع الاشتراكى الديمقراطى التعاونى الذى يخلصنا أو الذى نشعر فيه بالتخلص من الاستغلال الاقتصادى، والاستغلال السياسى، والاستغلال الاجتماعى.

أيها الإخوة:

ومن حولنا ظروف، وعلينا وسط هذه الظروف أن نرسم لأنفسنا الطريق؛ الهدف الذى نسعى إليه - هدفنا - أن نحمى هذا الاستقلال الذى حصلنا عليه بالكفاح والقتال، والذى قاتلنا وقاتل آباؤنا وأجدادنا من أجل تحقيقه ومن أجل الحصول عليه، والذى بذلنا فى سبيل الحصول عليه الشهداء والخسائر، والذى لم تهن قوانا ولم نتردد فى أن نخوض كل المعارك فى سبيل الحصول عليه، وحصلنا على الاستقلال. علينا الآن - أيها الإخوة - أن نثبت هذا الاستقلال، وأن نصون هذا الاستقلال وأن نحميه. وعلينا أيضاً - أيها الإخوة - أن نحمى القومية العربية التى آمنا بها والتى تبنيناها والتى رفعنا رايتها، القومية العربية التى نادى بها الأجداد ونادى بها الآباء، والتى كافحوا من أجلها؛ كافحوا الغزو وكافحوا الظلم وكافحوا جيوش العدوان التى كانت تسعى دائماً للقضاء على القومية العربية، ولوضع قوميات غريبة بينها، والتى واجهنا الخطر حينما قامت الصهيونية بغزوها لفلسطين، لا لتقضى على شعب فلسطين ولا لتحقق قومية صهيونية فقط فى هذه البقعة من الأرض العربية، ولكن لتهدد القومية العربية.

إن المؤامرات التى دبرت ضد القومية العربية ليست بالمؤامرات الجديدة، وليست بالمؤامرات الحديثة، إنما دبرت المؤامرات ضد القومية العربية ومن أجل تفتيتها منذ مئات السنين. وقاوم الشعب العربى دائماً من أجل قوميته ومن أجل صيانة قوميته، ومن أجل حماية قوميته، واستطاع الشعب العربى دائماً أن ينتصر، فانتصرت القومية العربية دائماً فى هذه المنطقة من العالم، وهزم الغزاة وهزم المستعمرون وهزم المعتدون.

فى القرن الحادى عشر - أيها الإخوة - هددت القومية العربية بالفناء، وفى القرن الثانى عشر هددت القومية العربية بالفناء، ولكن الأمة العربية كلها جمعت إرادتها لتحمى قوميتها، وحمت وقاتلت وكافحت، وسقط منها الشهداء منذ مئات السنين وانتصروا، انتصرت إرادة الشعب العربى وانتصرت القومية العربية.

واليوم - أيها الإخوة - ونحن نحدد أهدافنا يجب أن نعلم جيداً ويجب أن نفهم جيداً، ويجب أن نعلن للجميع أن من أهدافنا - كما أعلنا - تثبيت استقلالنا وصيانة هذا الاستقلال، فإن من أهدافنا أيضاً حماية القومية العربية، حمايتها من جميع المحاولات التى يحاولها أعداؤها ضدها من أجل تفتيتها، ومن أجل إحلال قوميات أجنبية بينها ليقضوا عليها، من أجل المحاولات التى تستمر بطرق سرية، وبطرق علنية ضدها. وحينما نحمى القومية العربية، نحميها فى أى تعبير تعبر به عن نفسها، بإرادتها وبإرادتها الحرة المستقلة، هذا هو إيماننا بالنسبة للقومية العربية.

ذلك - أيها الإخوة - ذلك كله حتى يمكن تحقيق الغايات الأصيلة؛ وهى وضع الثورة الاجتماعية موضع التنفيذ، وخلق المجتمع الاشتراكى الديمقراطى. إننا يجب أن نحمى الاستقلال، ويجب أيضاً أن نحمى القومية العربية؛ وبذلك نستطيع أن نضع ثورتنا الاجتماعية موضع التنفيذ، نستطيع أن نبنى اقتصاداً متحرر مستقل ثم نستطيع أيضاً أن نطور هذا الاقتصاد، نستطيع أيضاً أن نقيم مجتمعاً ترفرف عليه الرفاهية متحرر من الاستغلال الاقتصادى ومتحرر من الاستغلال السياسى والاستغلال الاجتماعى، نستطيع أن نعمل ونطور اقتصادنا حتى يكون هذا المجتمع لا يشعر بالفوارق بين الطبقات وحتى تكون هناك مساواة وحتى تكون هناك عدالة، ونستطيع أيضاً أن نحقق الديمقراطية الحقيقية فلا ديمقراطية بلا مساواة ولا ديمقراطية بلا عدالة.

ولا يمكن - أيها الإخوة - أن تكون هناك ديمقراطية سياسية ولا تكون هناك ديمقراطية اجتماعية، إنما يكون ذلك تزييف. إن الديمقراطية السياسية التى لا ترضى أن تكون هناك ديمقراطية اجتماعية ليكون العدل والمساواة هو الأساس السليم بين أبناء الوطن الواحد؛ لا يمكن أن تكون ديمقراطية بأى شكل من الأشكال، إنما هى تستغل اسم الديمقراطية لتستغل سياسياً ولتستغل اجتماعياً ولتستغل اقتصادياً.

إن الديمقراطية الحقة - أيها المواطنون - هى الديمقراطية السياسية التى تسير جنباً إلى جنب مع الديمقراطية الاجتماعية. ولقد ورثنا تركة كبيرة من الماضى البغيض، تركة أثرت فى نظمنا الاجتماعية؛ ورثنا التركة التى تعبر عن التفرقة الاجتماعية والتى تعبر عن الإقطاع والتى تعبر عن الاحتكار والتى تعبر عن سيطرة رأس المال على الحكم، والتى تعبر عن الطبقات. هذه التركة ورثناها من الماضى، وكان الاستعمار، وكان أعوان الاستعمار مع الاستعمار يريدون أن يمكنوا الإقطاع منا، وكان الاستعمار يريد أن يحكم فينا سيطرة رأس المال والاحتكار، كان الاستعمار وأعوان الاستعمار يعملون سوياً تحت اسم الديمقراطية السياسية فى بلادنا، ولكن كانوا يقفون دائماً ضد أى تقدم اجتماعى فلم تقم فى بلادنا بأى شكل من الأشكال ديمقراطية اجتماعية. كان هناك الإقطاع وكبار الملاك وكان هناك الفلاحون الذين يعملون فى الأرض عبيداً للإقطاع، كان هناك سيطرة رأس المال على الحكم، وكان هناك استخدام النفوذ، وكان هناك استغلال للشعب، وكان هناك شعب لا يستطيع إلا أن يكافح ويقاتل فى سبيل الحصول على حريته الاجتماعية. ولكنه كان يقاتل ليستكين ثم يقاتل ليستكين، وكانت كل القوى فى يد الإقطاع، وفى يد الاستعمار، وفى يد الرأسمالية الفاسدة التى كانت تتحكم فينا، وكانت القوة أيضاً فى يد الاحتكار الذى يريد أن يحقق الأرباح من استغلالكم.. من استغلال الشعب. وحينما قامت هذه الثورة، وحينما نادينا بالقومية العربية، ونادينا بإقامة مجتمع اشتراكى ديمقراطى، إنما كنا نعنى الديمقراطية السياسية مع الديمقراطية الاجتماعية، لا فوارق بين الطبقات، مساواة بين الجميع، الشعب كله يعمل من أجل تطوير الاقتصاد ومن أجل رفع مستواه الاجتماعى. (تصفيق).

ولن نخدع - أيها الإخوة المواطنون - بعد اليوم من تزييف الشعارات. لقد زيفوا الشعارات فى الماضى ليخدعوكم، ليخدعوا هذا الشعب ولكى يتمكنوا بتأييدكم من أن يحصلوا على أغراضهم ويضعوكم ضمن مناطق النفوذ. لقد زيفوا شعار الديمقراطية، وقامت فى مصر فى سنة ٢٣ ديمقراطية سياسية، ولكن قامت هذه الثورة لأن الديمقراطية السياسية لم تسر جنباً إلى جنب مع الديمقراطية الاجتماعية. وخدعنا بالديمقراطية السياسية، ولم تكن كما نفهم، لم تكن الديمقراطية السياسية فى مفهومنا جميعاً إلا السبيل لتحقيق الديمقراطية الاجتماعية، ولم تكن الديمقراطية السياسية والحزبية التى قبلناها فى سنة ٢٣ وما بعد ٢٣ إلا السبيل من أجل تحقيق الديمقراطية الاجتماعية، والقضاء على الإقطاع، والقضاء على سيطرة رأس المال، وإقامة مجتمع تسيطر عليه الرفاهية. ولكن هل سارت الديمقراطية السياسية من سنة ٢٣ حتى سنة ٥٢ فى مصر جنباً إلى جنب مع الديمقراطية الاجتماعية؟! كلنا نعلم أن الديمقراطية السياسية كانت احتكاراً لفئة من الناس أرادت أن تستغلها لتتحكم فى هذا الشعب وفى رقاب هذا الشعب، أرادت أن تستغلها لتستغل هذا الشعب وتستغل عمل هذا الشعب، وكان الفلاح يعمل والعامل يعمل ولكن كانت المكاسب تعود للاحتكارات وتعود للإقطاع. كانت الديمقراطية السياسية التى نادوا بها وطبقوها من ٢٣ حتى ٥٢ إنما هى تزييف للشعارات، وإنما هى تزييف لمعنى الكلمات، وإنما هى تزييف لمعنى الديمقراطية.

وحينما أعلنت هذه الثورة أعلنا وأعلن هذا الشعب أن الديمقراطية السياسية يجب أن تسير جنباً إلى جنب مع الديمقراطية الاجتماعية، يجب أن نحطم التركة الثقيلة التى ورثناها عن الماضى. وإننا ورثنا عن الماضى الإقطاع، لقد رزح هذا الشعب تحت الإقطاع سنين طويلة، وكان هذا الشعب يورث من جيل إلى جيل لفئة من الإقطاعيين، وكان هذا الشعب يورث من جيل إلى جيل لفئة من أعوان الاستعمار، وفئة من الانتهازيين، وفئة من المستغلين الذين كانوا يستغلونه من أجل تحقيق أرباحهم؛ ولهذا حينما قامت الثورة أعلن الشعب بكل إرادته أن لابد أن نحقق الديمقراطية الاجتماعية جنباً إلى جنب مع الديمقراطية السياسية.

كانت هذه - أيها الإخوة المواطنون - هى تجربتكم، وحين تحققت الوحدة بين مصر وسوريا وقامت الجمهورية العربية المتحدة، كان الشعب فى سوريا ينادى أن لابد من تحقيق الديمقراطية الاجتماعية لنسير جنباً إلى جنب مع الديمقراطية السياسية، نفس التجربة، نفس التاريخ، نفس التركة المثقلة، كان الشعب فى سوريا - كما كان فى مصر - يورث من جيل إلى جيل للإقطاع، ولسيطرة رأس المال على الحكم، وللانتهازية وللاستغلال.

واليوم - أيها الإخوة المواطنون - ونحن نحقق أهدافنا ونحن نحدد أيضاً معالم الطريق الذى نسير فيه، يجب أن نعرف أن الشعارات المزيفة لن تجعلنا نحيد عن الطريق. لقد زيفوا الشعارات فى الماضى، ولن يستطعيوا أن يخدعونا أبداً فى الحاضر أو المستقبل بتزييف الشعارات مرة أخرى. إننا نعرف أهدافنا، ونعرف أيضاً طريقنا؛ إن أهدافنا هى تحقيق الديمقراطية السياسية وتحقيق الديمقراطية الاجتماعية فى نفس الوقت، فلا فائدة أبداً فى ديمقراطية سياسية تمكن أصحاب المصالح أو بعض أصحاب المصالح من أن يتحكموا فى رقابنا حتى يستطيعوا أن يستغلونا كما استغلونا فى الماضى، وحتى يستطيعوا أن يستغلوا نتيجة عملنا، وحتى تتحكم فينا الاحتكارات، لابد أن تسير الديمقراطية الاجتماعية جنباً إلى جنب مع الديمقراطية السياسية.

هذا هو إيماننا وهذا هو طريقنا. إن الشعارات التى زيفت علينا فى الماضى باسم الديمقراطية لم تستطع أبداً أن تضللنا، ولم تستطع أبداً أن تجعلنا نحيد عن هدفنا فى ديمقراطية اجتماعية وتطور اجتماعى، وبهذا ولهذا قامت الثورة فى مصر لتحقيق الديمقراطية الاجتماعية. رغم الديمقراطية السياسية التى كانوا يضللونا بها والتى كانوا يدعونها، كل الشعب فى مصر فى هذا الوقت لم يخدع ولم يضلل بالديمقراطية السياسية، ولكنه كان يشعر أن هذه الديمقراطية إنما تجند الأغلبية لخدمة الأقلية، لخدمة الإقطاع الذى ورثنا عن الماضى، ولخدمة الاستغلال الذى ورثنا عن الماضى، ولخدمة سيطرة رأس المال الذى ورثنا عن الماضى، ولخدمة أعوان الاستعمار الذين ورثونا عن الماضى.

ولهذا قامت الثورة، كانت هناك ديمقراطية سياسية أو ما عبروا عنه بالديمقراطية السياسية، ولكنها كانت لخدمة نفر.. لخدمة نفر قليل، وكانت لتسخير الأغلبية لخدمة الأقلية، ولهذا حينما قامت الثورة للقضاء على الحزبية التى تبنت الديمقراطية السياسية لتستغل وتتحكم، قام الشعب كله يؤيد هذه الثورة ويعبر عن إرادته فى أن لابد أن تكون هناك ديمقراطية اجتماعية تسير جنباً إلى جنب مع الديمقراطية السياسية.

وكانت - أيها الإخوة - هذه التركة الثقيلة التى ورثناها عن الماضى والتى لم تستطع الديمقراطية السياسية فى الماضى أن تخلصنا منها؛ لأنها كانت الوسائل للمحترفين السياسيين - فى هذا الوقت - ليحصلوا على الأصوات التى تمكنهم من أن يحكموا، وكانت الديمقراطية الاجتماعية هى عدوهم الأول؛ لأنها كانت تسلبهم من نفوذهم، وكانت تسلبهم أيضاً من أرزاقهم، وكانت تسلبهم أيضاً مما يعود عليهم من عرقكم ومن عملكم.

ولهذا - أيها الإخوة - فنحن اليوم نعرف أن أهدافنا هى تثبيت الاستقلال وصيانة الاستقلال، وهى أيضاً حماية القومية العربية فى أى تعبير تعبر به القومية العربية عن نفسها بإرادتها الحرة المستقلة، وهو أيضاً وضع الثورة الاجتماعية موضع التنفيذ، وخلق المجتمع الاشتراكى الديمقراطى التعاونى المتحرر من الاستغلال الاقتصادى والسياسى والاجتماعى.

أيها المواطنون:

هذه هى الأهداف.. هذه هى الأهداف، وإذا تكلمنا عن الأهداف فلابد أن نتكلم عن الظروف التى نباشر فيها محاولة تحقيق أهدافنا.

إن معرفة الظروف هى خير دليل لنا فى المسالك الوعرة، يجب أن نعرف - أيها الإخوة - أننا نعيش فى ثورتين فى وقت واحد: ثورة سياسية للتخلص من الاستعمار الأجنبى وأعوان الاستعمار ومناطق النفوذ، وثورة اجتماعية للتخلص من كل أنواع الاستغلال. وهذا كما أشعر ليس بالعمل السهل، إذا كانت الثورة ثورة سياسية فقط قد تكون سهلة، وإذا كانت الثورة ثورة اجتماعية فقط فقد تكون سهلة، ولكننا حينما نباشر فى وقت واحد ثورة سياسية وثورة اجتماعية فيجب علينا أن نعرف المسئوليات التى نتحملها.

نحن نعيش - أيها الإخوة - فى محيط دولى تسوده الحرب الباردة، ومعركة الأحلاف لم تكن إلا محاولة للزج بنا فى الحرب الباردة. ولقد رفضنا حلف بغداد لأننا كنا نشعر أننا لا نريد أن تكون بلادنا ميداناً للحرب الساخنة، ولا على أحسن الافتراضات ميداناً للحرب الباردة، ولا نريد أبداً وبأى حال من الأحوال أن تكون بلادنا منطقة من مناطق النفوذ. إننا - أيها الإخوة - نريد أن نرسم بأنفسنا مصيرنا، أى أن قوانا الذاتية هى سلاحنا وهى أدوات البناء فى أيدينا. والوطنية.. الوطنية خلق جديد، وهى لذلك أصعب الطرق وإن كانت أكثر الطرق أمناً. ونتيجة لهذه الظروف كلها نجد أنفسنا نعيش فى جو معركة مستمرة؛ فالاستعمار حاول ويحاول دائماً أن يعوق طريقنا لأنه يعرف أن الحرية هى نهاية منطقة النفوذ، وأن الاستقلال معناه أنه لن يستطيع أن يسترجع نفوذه مرة أخرى، والاستعمار - أيها الإخوة - لا يريد أن يفقد مناطق نفوذه أو نقط ارتكازه أو موارد احتكاره.

المؤامرات مازالت مستمرة والضغط الاقتصادى مازال مستمراً وحرب الأعصاب مازالت مستمرة، المحطات السرية اللى بتذيع من سنتين وتلاتة لازالت مستمرة، الإذاعات التى توجه إلى الشعب العربى وشعب الجمهورية العربية المتحدة لهدم معنوياته، ولبث التفرقة بينه من أجل السيطرة الاستعمارية والنفوذ الاستعمارى، لازالت مستمرة، حتى السياسات التقليدية رغم ما بدا من فشلها فى الماضى مازالت مستمرة! محاولة تفرقة العالم العربى وإثارة النزاع فى قلب العالم العربى، هذه السياسة لازالت مستمرة، محاولة التفرقة بين القاهرة وبغداد، والسير على السياسة التقليدية القديمة التى كانت متبعة فى الماضى للتفرقة بين العرب بخلق تكتل من القاهرة ضد بغداد أو من بغداد ضد القاهرة، لازالت مستمرة.

كان دا الخط الرئيسى للاستعمار قبل ثورة العراق وبعد أن قامت ثورة العراق العظيمة التى حققت ما يتمناه شعب العراق والجيش العراقى. لازال الاستعمار يأمل أن يستخدم القاهرة ضد بغداد أو بغداد ضد القاهرة، بل إن الاستعمار يحاول أن يوقع بيننا وبين الدول؛ الاتحاد السوفيتى مثلاً، وكلكم تذكرون خطابى فى بورسعيد يوم ٢٣ ديسمبر، وحدث فى هذا الخطاب إنى اتكلمت بوضوح واتكلمت بصراحة عن أوضاعنا وعن سياستنا وعن ثورتنا، وبينت الأوضاع والأحوال اللى بتقابل وحدتنا، وبينت المؤامرات اللى بتوجه نحو الوحدة بين مصر وسوريا، وتكلمت عن موقف الحزب الشيوعى فى سوريا من الأهداف الوطنية ومن القومية العربية ومن إرادة الشعب الذى فرض الوحدة، وقلت فى هذا اليوم: إن لابد أن نضع الأمور فى نصابها.. وشرحت دائماً، وكانت سياستنا واضحة أنها سياسة الحياد الإيجابى وعدم الانحياز والقومية العربية وإقامة مجتمع اشتراكى ديمقراطى تعاونى، وقلنا بوضوح من أول يوم: إننا لن ننحاز إلى الشرق أو ننحاز إلى الغرب ولا لليمين أو لليسار، ولا احنا مستعدين ناخد أوامر من أى عاصمة أجنبية كما كانت الأوامر تعطى فى الماضى، لا بناخد أوامر من لندن ولا من باريس ولا من واشنطن ولا موسكو ولا أى عاصمة من العواصم، ولكن سياستنا تنبع من بلدنا ومن أرضنا ومن ضميرنا.

أيها الإخوة:

زى ما احنا عارفين وزى ما قلت دائماً: سياستنا تنبع من بلدنا، تنبع من ضميرنا، ودول بيقولوا.. مثلاً فيه ناس يقولوا: دول موالين للشرق، وفيه ناس يقولوا: دول موالين للغرب، وهم نسيوا ان فيه حاجة اسمها الجمهورية العربية المتحدة، وفيه حاجة اسمها القومية العربية، احنا حنكون دائماً موالين للجمهورية العربية المتحدة، وموالين للقومية العربية مع صداقتنا وتعاونا؛ أعلنا دائماً ان احنا نصادق من يصادقنا ونعادى من يعادينا، أعلنا دائماً أن سياستنا هى أننا نريد السلام ولن نقبل الاستسلام بأى حال من الأحوال.

دى شعاراتنا، ودى سياستنا، وكل واحد من أبناء الجمهورية العربية المتحدة، وكل واحد فى جميع أرجاء العالم العربى يعرف هذه السياسة الواضحة، وكان هذا الكلام واضح من أول يوم، وكان هذا الكلام واضح دائماً. واتكلمت فى بورسعيد، وبعد هذا بدأت المؤامرات للوقيعة.. الوقيعة بينا وبين الاتحاد السوفيتى؛ لإن العلاقات بينا وبين الاتحاد السوفيتى كانت دائماً علاقات صداقة، وكانت علاقات مبنية على الاحترام المتبادل، وكانت علاقات مبنية على أن لكل دولة أن تختار لنفسها النظام السياسى والاجتماعى الذى ترضاه، وأن كل دولة تتعاون مع عدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول الأخرى، ولكن طبعاً بدأت الدوائر الاستعمارية تنتهز الفرص بعد هذا للوقيعة.

وفى المؤتمر؛ مؤتمر الحزب الشيوعى السوفيتى الواحد وعشرين اتكلم "المستر خروشوف"، وعبر عن رأيه باعتباره شيوعى طبعاً، نتج عن هذا أيضاً إن بدأت الدوائر الاستعمارية تحاول الوقيعة. اللى بيتتبع الإذاعات واللى بينشر فى الجرائد والمقالات وحرب الإذاعة وحرب الأعصاب وحرب الأثير؛ بيجد إن فيه ناس وجدوا ان فيه فرصة جت علشان الوقيعة بين الاتحاد السوفيتى والجمهورية العربية المتحدة.

احنا فى علاقتنا مع الاتحاد السوفيتى كنا دائماً نشعر بالتقدير للتأييد اللى اداهولنا الاتحاد السوفيتى فى جميع معاركنا ضد الاستعمار، ونشعر أيضاً بالتقدير للاتحاد السوفيتى ولشعب الاتحاد السوفيتى فى معاونتنا لبناء اقتصادنا ولبناء تصنيعنا، نشعر أيضاً بالتقدير للاتحاد السوفيتى لإنه وقف معانا ونحن نجابه الحصار الاقتصادى والحرب الاقتصادية، وطبعاً دا موضوع كان موضوع مهم جداً. هناك خلافات عقائدية بينا وبين الاتحاد السوفيتى؛ كل بلد لها نظامها الاجتماعى الخاص، وكل بلد لها العقيدة التى تؤمن بها، ولهذا فأنا اتكلمت فى الموضوع بصراحة، وبعت رسالة شخصية إلى "المستر خروشوف" بعد هذا الكلام على الطريقة اللى احنا بنتبعها دائماً؛ التكلم بصراحة ووضع الأمور بصراحة؛ حتى لا نعطى لأعدائنا ولا نعطى لمن يريدون الاصطياد فى الماء العكر الفرصة لينفذوا سياستهم، أو الفرصة للوقيعة. بعثت رسالة شخصية إلى "خروشوف"، وكانت هذه الرسالة تعبير عن الصداقة التى.. أو شرح للصداقة التى توطدت بين شعبنا والشعب السوفيتى، وإنها كانت على أساس المساواة، وإن لكل بلد.. لكل بلد ولكل شعب الحق فى اختيار النظام السياسى والاجتماعى، وإن هذه الصداقة كانت دائماً تلاقى التقدير والإقبال والإعزاز من شعب الجمهورية العربية المتحدة، وإن شعب الجمهورية العربية المتحدة يكن للشعب السوفيتى وللاتحاد السوفيتى الشعور بالود والصداقة، ويعز على شعب الجمهورية العربية المتحدة أن يصيب هذه الصداقة أى فتور أو أى تصدع؛ لأننا نحمل للشعب السوفيتى التقدير لمساندته لنا فى أيامنا العصيبة.

وتساءلت فى هذه الرسالة عن موقف الاتحاد السوفيتى بعد خطاب "خروشوف" من بلدنا، وعن مستقبل العلاقات بينا، وعن أى تطور فى سياسة الاتحاد السوفيتى نحو تأييد القضايا العربية للتحرر والاستقلال. وكنت أرى من واجبى بعد المدة التى قضيناها فى التعاون مع الاتحاد السوفيتى أن لا أعطى فرصة للدس وللوقيعة وشعللة - يعنى - الأمور حتى تصل الأمور إلى قطيعة بينا وبين الاتحاد السوفيتى. وكنت طبعاً باتتبع الأنباء والوكالات الأجنبية بتروح، الأنباء اللى بتروح روسيا بتقول: إن الجمهورية العربية المتحدة حتنحاز إلى الغرب وابتدأت تبعد عن الاتحاد السوفيتى، وإن الجمهورية العربية المتحدة بتشعر بالخطر الروسى... إلى آخر هذه المواضيع اللى بتهدف إلى الوقيعة. والأنباء اللى بتيجى القاهرة يقولوا: إن "خروشوف" قرر التخلص من جمال عبد الناصر علشان شايف انه واقف عقبة ضد سياسته. والأخبار اللى طلعت بره تقول: إن فيه مؤامرة دبرتها روسيا لاغتيال جمال عبد الناصر، وإن يوغسلافيا لفتت نظر الجمهورية العربية لهذا؛ مجموعة من الأكاذيب، ومجموعة من الحيل الهدف منها الوقيعة. (تصفيق).

وكنا يجب طبعاً أن نتنبه لهذا لأن الدول الاستعمارية تريد الوقيعة، أعوان الاستعمار يريدوا الوقيعة، الانتهازيين أيضاً يريدوا الوقيعة، وكل واحد متربص علشان يقفز وعلشان يقدر يحط هذه المنطقة مرة أخرى ضمن مناطق النفوذ. واللى بيقولوا: إن دا معناه أن السلاح الروسى حيقف، واللى بيقولوا: دا معناه إن المعونة أو العلاقات الاقتصادية حتقف، واللى بيقولوا: إن التعاون الاقتصادى والمشاريع الصناعية حتقف، واللى بيقولوا السد العالى مش فاهم إيه؟! مواضيع طبعاً تسبب الهيصة، وعلى رأى بعض الناس البلبلة.

وأنا وجدت - أيها الإخوة - أن من واجبى أن نتكلم فى هذا الموضوع بصراحة، ولهذا أرسلت هذه الرسالة إلى "المستر خروشوف" لأبين له أن رغم الخلافات العقائدية بيننا، ولكنا طبعاً بنشعر بالتقدير للشعب السوفيتى للمعونة اللى أخذناها واللى أسداها لنا، وإذا كان الشعب السوفيتى طبعاً محافظ على هذه الصداقة فاحنا نرحب بها، وان احنا لا نريد أن ينتاب هذه الصداقة أى فتور أو أى تصدع.

امبارح وصلنى رد من "المستر خروشوف"، واستلمت هذا الرد امبارح يمكن فى نص الليل، "مستر خروشوف" أيضاً رد على هذه الرسالة بصراحة وبوضوح، ورد برسالة طويلة من عشر ورقات، حاقول لكم بعض العبارات اللى جت فى هذه الرسالة. "مستر خرشوف" طبعاً قابل هذه الروح بروح طيبة، وأنا مغتبط جداً على إن وجهة نظرنا تلاقت على ضرورة العمل على تقوية الصداقة بين بلدينا وتدعيمها، بصرف النظر عن الخلافات العقائدية بين بلدينا. قال "مستر خروشوف" فى جوابه: إن العلاقات الطيبة التى قامت بين بلدينا لعبت دوراً عظيماً فى الدفاع عن السلام والأمن فى الشرق الأوسط، ولقد قام هذا التعاون المثمر بالرغم مما هو بيننا - كما هو معروف للجميع - من اختلاف فى وجهة النظر العقائدية، وقال: ولقد حاولنا دائماً أن نقوى الروابط التى تجمع كفاحنا للسلام ضد القوى الاستعمارية، كما حاولنا أيضاً أن نبقى خلافاتنا العقائدية بعيداً، ولقد كان كل منا فى هذا يلتزم رأيه الخاص، ولقد وجدت الخلافات العقائدية بيننا من قبل ومع ذلك فإن بلدانا تمكنا من التعاون بنجاح.

طبعاً أنا رحبت بهذه الروح الطيبة؛ لإن شعب الجمهورية العربية المتحدة بيشعر بالتقدير للشعب السوفيتى، ويعز عليه أن ينتاب العلاقات بينا أى تصدع. وطبعاً أنا اغتبطت أيضاً لإنى شفت الشعب السوفيتى فى زيارتى الأخيرة لموسكو، واستطعت أن ألمس العواطف والشعور اللى بيكنها للجمهورية العربية المتحدة وللعرب جميعاً.

وفى جواب "المستر خروشوف" قال أيضاً: وإذا نظر الإنسان إلى الموقف الحالى نظرة عملية لتمكن بسهولة من أن يرى أن أعداء الصداقة بين الاتحاد السوفيتى والجمهورية العربية المتحدة يريدون فى الوقت الحاضر أن يجنوا أرباحاً جشعة فى الخلافات العقائدية بيننا.

وقال: إن الاتحاد السوفيتى والحكومة السوفيتية ناصرت بإخلاص، وستناصر بإخلاص، كفاحكم العادل ضد الاستعمار، ومن أجل الاستقلال، وتحقيق الأمانى المشروعة لشعب الجمهورية العربية المتحدة.

وقال: إن موقفنا منكم ومن البلد الذى تقودونه لا يمكن أن يتغير مهما كانت هناك أى ظروف سياسية.

وقال: ولقد لعب كفاح شعب الجمهورية العربية المتحدة والشعوب العربية من أجل الاستقلال الوطنى والتحرير دوراً عظيماً فى دعم حركات الحرية الوطنية لدى شعوب إفريقيا وآسيا؛ هذا الكفاح العظيم قد حظى بتقديرنا وبتقدير الشعب السوفيتى والشعوب الأخرى المحبة للسلام، وبكل إخلاص ناصرناكم، وبكل إخلاص سوف نستمر فى مناصرة كفاحكم.

وقال "المستر خروشوف" أيضاً فى كلامه: أما فيما يتعلق بموقفنا من الشيوعية فى الجمهورية العربية المتحدة، فإن الاتحاد السوفيتى لا يرغب فى التدخل فى الشئون الداخلية للجمهورية العربية المتحدة.

أنا حبيت أحط الأمر بوضوح والموضوع بوضوح، بنحط سياستنا علناً زى ما بنحطها دائماً علناً.. بنوضح هذه السياسة علناً، بنعرف أهدافنا علناً، بنحدد معالم طريقنا علناً، وبنفهم إيه الألاعيب والمؤامرات اللى بتوضع علشان وضع هذه المنطقة مرة أخرى ضمن مناطق النفوذ.

فى بورسعيد شرحت موقفنا، وقبل كده اتكلمت عن ازاى نستطيع علشان نحقق هذه الأهداف نرسم الطريق، وبينت إن الطريق يجب أن يكون واضح لنا. وبعد الوحدة بينت أن لابد للشعب أن يتحد حتى نقضى على التركة الثقيلة الاجتماعية، وحتى نقضى على الضغائن والأحقاد السياسية، وحتى نستطيع أن نقيم العدالة الحقيقية والحرية والمساواة. ونادينا بحل الأحزاب، وقلنا: أن لابد من حل الأحزاب علشان نقدر نبنى مجتمع جديد؛ لإن مانقدرش أبداً نبنى المجتمع الاشتراكى الديمقراطى التعاونى على أساس قديم مبنى من وقت الاستعمار، وهو أساس التفرقة، وأساس الطبقات، وأساس الاستغلال، وأساس السيطرة وأساس التحكم، وأساس التعاون مع الاستعمار أو التعاون مع الدول الأجنبية. الأساس الماضى دا لا يمكن أبداً أن يصلح علشان يكون هو أساس الدولة الجديدة اللى عايزين نشوفها، واللى كل واحد فينا عايز يحس فيها بالمساواة مع الآخرين. ولهذا أعلنا حل الأحزاب، وقلنا: إن لابد أن نمر فى فترة انتقال نوحد فيها الأمة حتى تستطيع أن تسير فى هذا الطريق، وحتى تستطيع أن ترسى أسس الثورة الاجتماعية.

وكان المثل الواضح لهذا هو العدوان فى بورسعيد؛ كان الشعب فى مصر حينما حدث العدوان فى بورسعيد.. كان شعب متحد كله تحت السلاح؛ مافيش تفرقة، مافيش تآمر، مافيش أحزاب رجعية بتتآمر وتتصل بالإنجليز علشان تكون لهم طابور خامس فى الداخل.. مافيش حد بيتصل بأجنبى، الشعب كله مؤمن بنفسه ومؤمن ببلده.

وبهذا أيها الإخوة.. بهذه الوحدة وبهذا التكاتف استطعنا أن ننتصر فى معركة العدوان ضد إنجلترا، وضد فرنسا، وضد الأساطيل، وضد إسرائيل. وبعد الوحدة وقيام الجمهورية العربية المتحدة اتكلمت بوضوح أن لابد من أن نصفى التركة الثقيلة فى الماضى، وأن لابد أن نقيم اتحاد بين أبناء الوطن الواحد، وتصفية التركة دى لن يكون سهل؛ لإن هناك طبعاً فيه رواسب اجتماعية، وفيه أحقاد، وفيه خلافات، وفيه أمور كتيرة كل اللى اشتغلوا فى العمل الحزبى والعمل السياسى بيعرفوها، ولابد من أن نصفى الحزبية ونقيم اتحاد لأبناء الوطن الواحد؛ للعمل من أجل حماية الاستقلال، وللعمل من أجل الثورة الاجتماعية وتدعيمها.

وسرنا فى هذا الطريق، طبعاً بدأت الدعايات والإشاعات، وبدأت الأساليب تأخذ سبيلها ضد العالم العربى كله مش ضد الجمهورية العربية المتحدة؛ من أجل التفرقة، من أجل انتهاز الفرص، ومن أجل الاستغلال. بدأت هذه الدعايات فى سوريا، وحينما قامت ثورة العراق وانتصر شعب العراق وانتصر جيش العراق، وكان شعب الجمهورية العربية المتحدة يساند الشعب العراقى بكل ما يستطيع وبكل إمكاناته، وحينما قامت هذه الثورة وضعنا مصيرنا مع العراق فى كفة واحدة؛ لأننا كنا نعلم أن الخطر الذى يتعرض له العراق هو خطر تتعرض له الجمهورية العربية، وتتعرض له الأمة العربية جمعاء.

طبعاً بدون أى كلام وضعنا كل ما نستطيع، وعبرنا بكل ما نستطيع عن تأييدنا الكامل لثورة العراق. وكنا نشعر أن لابد من هذا التأييد لشعب العراق اللى كافح كفاح طويل ضد الظلم، وضد الاستبداد، وضد السيطرة، وضد التحكم، وضد الاحتلال، وضد الاستعمار، وضد مناطق النفوذ. وكنا نعلم أن السياسة الاستعمارية التقليدية كانت مبنية دائماً على إيجاد الخلاف بين العراق وبين القاهرة، وكنا نعلم أن لابد لأعداء القومية العربية من أن يحاولوا استخدام هذه الأساليب القديمة مرة أخرى. وبعد كده ابتدينا نرى آثار.. نرى أول البشائر وأول الآثار لبذر الخلاف وبذر الفتن، وبدأت طبعاً هذا بمحاولة تفريق الشعب العراقى لقسمين؛ قسم ينادى بالوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة، وقسم ينادى بالاتحاد.

وفى هذا الوقت - أيها الإخوة - عبرت عن رأيى بصراحة وبوضوح، وقلت: ان أنا ما استطيعش أبداً أتكلم فى عناوين؛ الوحدة دا عنوان، والاتحاد دا عنوان، ولكن أنا مستعد اتكلم فى مستقبل العلاقات بين العراق والجمهورية العربية المتحدة، وقد نستطيع أن نصل إلى اتفاقية عسكرية واتفاقية اقتصادية، وبهذا قد نعبر عن معنى الوحدة، وان احنا بنحب إذا حققت الوحدة ونرى إن الوحدة إذا حققت يجب أن تحقق بالإجماع.

وناديت أيضاً، وطلبت أن من الخطر إن يقسم شعب العراق بشعارات الوحدة وشعارات الاتحاد. وكنت أشعر طبعاً ان بعض الناس اللى بينادوا بالاتحاد ويسبوا فى الوحدة ماكانش هدفهم أبداً الموقف العراقى، ولكنهم كانوا يتجهوا إلى سوريا، وبيحبوا يثيروا الشعب السورى ضد الوحدة. ولكن طبعاً دى محاولات فاشلة؛ لإن الشعب السورى - كما عبرت قبل كده - آمن بالوحدة، وفرض الوحدة فرضاً. وحاول طبعاً أعداء القومية العربية انهم يثيروا الخلافات بين العراق وبين الجمهورية العربية المتحدة، وأنا أعتبر أن هذه الخلافات بين العراق والجمهورية العربية المتحدة لا تخدم بأى حال من الأحوال الأمة العربية أو الوحدة العربية بما نفهمها؛ اللى هى أنا عبرت عنها بالتضامن أو الوحدة أو الاتحاد.. اللى هى وحدة الصف.. اللى هى كلنا يد واحدة نصادق من يصادقنا، ونعادى من يعادينا.

وأنا كنت أشعر بخطورة هذه المناورات، وكنت أرى أن لابد من حدوث اجتماعات نبحث فيها العلاقة بينا، مش نبحث فيها تقرير مصير شعب العراق أو شعب الجمهورية العربية المتحدة؛ لإن تقرير المصير لا يمكن أن ينجح إلا إذا كان من إرادة شعب الجمهورية المتحدة، ولكن المهم فى رأيى كان دائماً - وكما كنت أشعر فى رأى الشعب أيضاً - هو التضامن؛ حتى لا ينفذ بيننا أعداء القومية العربية، وحتى لا تنجح مرة أخرى سياسة التفرقة بين الدول العربية، واستخدام دولة عربية ضد دولة عربية أخرى؛ اللى هى السياسة التقليدية.

نحن نكن لشعب العراق كل تقدير وكل محبة وكل إعزاز، وفى وقت الأزمات بيظهر العدو من الصديق؛ حيبان ان الجمهورية العربية المتحدة إذا تعرض العراق لأى خطر ستقف معاه بكل رجالها ونسائها وأطفالها وشيوخها. (تصفيق). والموضوع - أيها الإخوة - مش موضوع وحدة، أو اتحاد، المهم هو التضامن، والمهم هو وحدتنا؛ نعادى من يعادينا، ونقاتل من يقاتلنا. أما الوحدة فى إيمانى فلسوف تجىء إذا كانت إرادة الشعوب العربية تقررها، حتيجى بالتطور بعد سنة والله إذا أراد الشعب العربى انها تيجى، أو بعد ١٠ إذا أراد بعد ١٠، حتيجى حسب الإرادة، زى تمام الوحدة بين مصر وسوريا كانت تحقيق لإرادة الشعب المصرى والشعب السورى.

أيها الإخوة:

دى الأخطار اللى بتقابلنا؛ أخطار التفرقة وأخطار الدس والمؤامرات والوقيعة بين البلاد العربية. طبعاً فيه خطر آخر على الطريق، كلنا نشعر به وكلنا نحس به، خطر من ١٠ سنين بيهدد قوميتنا وبيهدد البلاد العربية كلها؛ هو خطر إسرائيل. إسرائيل قامت على العدوان، وإسرائيل بنت سياستها على فرض السلام، وكلمة فرض معناها حرب، يعنى السلام بالحرب، يعنى فرض الصلح على الدول العربية بالاعتداء على الدول العربية وإجبارها وإذلالها حتى تقبل الصلح.

دا الأمر طبعاً حينما كانوا ينادوا قادة إسرائيل بإنهم لابد أن يفرضوا السلام على العرب، كنا بنشعر أن لابد أن نقوى جيشنا وقواتنا المسلحة حتى لا نمكنهم أبداً من تحقيق هذه السياسة. وأثبت التاريخ وأثبت الزمن وأثبتت الأيام أن هذه السياسة سياسة فاشلة؛ لإن إسرائيل وجدت فرصة العمر لتهاجم مصر. امبارح "بن جوريون" بيقول: ان احنا لازم نصتلح مع أقوى دولة عربية؛ اللى هى الجمهورية العربية المتحدة، ولابد أن يسود السلام مع الجمهورية العربية المتحدة؛ لإنه هو بيشعر إذا استطاع انه يفرض الصلح أو يفرض السلام مع الجمهورية العربية المتحدة يبقى بعد كده القضية تبقى سهلة وهينة بالنسبة له.

وطبعاً فى سنه ٥٦ وجد فرصة العمر لإنه يهاجمنا ومعاه دولتين تعتبر من الدول العظمى، ولم يستطع "المستر بن جوريون" انه يفرض السلام أو يفرض الصلح. فعملية فرض السلام، وعملية إن إسرائيل هى رأس جسر للاستعمار طبعاً خطر على طريقنا للوصول إلى أهدافنا؛ بيحتاج مننا أولاً أن نتضامن، ويحتاج إلى وحدة الصف العربى، ويحتاج إلى أن نقوى، ويحتاج إلى أن نعمل، ويحتاج إلى أن نصنع بلدنا، ويحتاج إلى أن نعتمد على أنفسنا.

وفى الأيام الأخيرة، أو فى الأشهر الأخيرة بدأت تطلع أخبار من إسرائيل عن الهجرة الجديدة صرح "بن جوريون" فى يوم ١١/٢.. قال "بن جوريون" مشيراً إلى الهجرة: بأنه يأمل فى أن يصل عدد المهاجرين لا إلى الآلاف بل إلى عشرات الآلاف، وقال: إن هو بيعتمد على إن تفتح الهجرة من البلاد الشرقية. فى يوم ٨ طبعاً عقد اجتماع فى أمريكا فى ميامى علشان لم تبرعات لإسرائيل، وفى يوم ٨ وصل خبر بيقول: بدأت أمس حملة "جمعية النداء الموحد" للحصول على مبلغ ٢٠٥ مليون دولار لإعادة توطين آلاف اليهود فى إسرائيل. و"بن جوريون" بعت رسالة فى هذا الاجتماع قال: إن نسبة الهجرة ارتفعت فى الأشهر القليلة الماضية، ومن المتوقع انها ترتفع فى المستقبل. وفيه أخبار نشرت بعد كده قالت: إن "بن جوريون" أعلن ان بيوصل له يهود من رومانيا - مهاجرين من رومانيا - وانه يريد يهود الاتحاد السوفيتى، وانه بيسعى علشان الاتحاد السوفيتى يرفع الهجرة.

وفى يوم ٢٩ يناير صرح "بن جوريون" وقال - كان بيطلب قرض الهجرة - وقال فى خطابه: إذا استطعنا أن نستوعب الهجرة الجديدة من بلدان شرق أوروبا التى يتراوح عددها بين ٢٥٠ إلى ٣٠٠ الف نسمة فإن الأمل سيصبح قوياً؛ بأن تفتح أمام الهجرة أبواب المركز اليهودى الكبير فى العالم القديم. وفيه أخبار جت قالت برضه - فى وكالات الأنباء - إن الحركة الصهيونية فى أوروبا تأمل أن يسمح الاتحاد السوفيتى قريباً بهجرة يهود روسيا البالغ عددهم ٣.٥ مليون.

وفى يوم ٢٨ يناير تنبأ "دافيد بن جوريون" - رئيس وزراء إسرائيل - بأن ما بين ٢٥٠ ألف إلى ٣٠٠ ألف يهودى سيأتون إلى إسرائيل فى موجة الهجرة، وقال: إن معظم المهاجرين الجدد سيأتون من رومانيا ودول شرق أوروبا الأخرى، بالرغم من أنهم لن يأتوا من الاتحاد السوفيتى، وقال: إن ١٠٠ ألف يهودى سيصلوا فى سنة ٥٩، وما يزيد عن ذلك فى العام القادم. ودى الأخبار اللى طلعت أخبار من إسرائيل بتتكلم عن الهجرة والهجرة من أوروبا الشرقية، وإن الأمل فى ان الاتحاد السوفيتى يوافق على فتح باب الهجرة للتلاتة ونص مليون يهودى، وأخبار من أمريكا ان الجمعيات الصهيونية هناك عاملة اجتماع علشان تلم ٢٥٠ مليون دولار لتمويل عملية الهجرة لإسرائيل.

امبارح راديو موسكو أذاع إن كل اللى بيشار إليه أو كل اللى بيذاع عن الهجرة من الاتحاد السوفيتى كلام غير حقيقى، وهى دسائس استعمارية.

النهارده قبل وصولى هنا إلى هذا الاجتماع كان راديو موسكو أيضاً بيذيع مقال نشر فى إحدى الصحف السوفيتية بيقول: إن الاتحاد السوفيتى طبعاً يكذب، أو ما عندوش النية للتهجير من روسيا، وإن الأخبار اللى بتتناقلها الوكالات أخبار طبعاً مبالغ فيها.

طبعاً فيه حقيقة واقعة احنا عارفينها إن حصلت فعلاً من رومانيا وصلت إلى حوالى ٤٠٠٠ أو ٢٥٠٠ فى الشهر، وباين ان فيه محاولة لهذا، وعلى العموم إن هذا الموضوع بنعتبره موضوع يهم الأمة العربية كلها؛ لإن طبعاً إسرائيل علشان تعيش بوضعها الحالى بتاخد معونة من أمريكا وألمانيا كل سنة حوالى ٤٠٠ مليون دولار، يعنى بمعدل أكتر من مليون دولار فى اليوم.

فطبعاً إذا زادت الهجرة إلى إسرائيل باقتصادها المنهار لن تستطيع إسرائيل إنها تكفى. هم جابوا مليون فى العشر سنين اللى فاتت بعد استيلائهم على فلسطين، و"بن جوريون" بيقول: إنه عايز يجيب من مليون إلى ٢ مليون فى العشر سنين الجايين، منين حيعيشهم؟! اللى موجودين دلوقت.. اللى بيقرا ميزانية إسرائيل ويشوفها بيجد أن تلت أرباع هذه الميزانية إعانات من الخارج؛ إعانات طبعاً بتفرض على الأمريكان ورجال الأعمال وبالإرهاب وبالضغط، وطبعاً إعانات أخرى حكومية ورسمية، وطبعاً إعانات معفية من الضرايب، فأما يجيب مليون تانى هناك - بالنسبة لموارد المنطقة اللى محتلاها إسرائيل - ازاى حيقدروا يعيشوا الـ ٣ مليون اللى حيكونوا موجودين؟! لن يكون أمامهم حل طبعاً إلا التوسع علشان يعيشوا على حساب تشريد الأمة العربية، وعلى حساب تشريد مناطق من العالم العربى كما شرد طبعاً العرب فى فلسطين سنة ٤٨. وطبعاً التمويل للتهجير بييجى من أمريكا، وطبعاً إسرائيل لها سياسة معروفة؛ أن لابد أن تقيم دولة إسرائيل الدولة المقدسة التى تمتد من النيل إلى الفرات، وتاخد جزء من لبنان سوريا، جزء من العراق والأردن، وجزء من مصر لغاية الشرقية، وطبعاً واحنا الكلام دا لازم ناخده بجد ما نضحكش عليه أبداً.

وعد "بلفور" - يا إخوانى - كان سنة ١٧؛ الوطن القومى لليهود أعلن سنة ١٧، فضلوا من سنة ١٧ يعملوا لسنة ٤٨ لغاية ما استطاعوا انهم يحققوا هذا الوعد، واستطاعوا انهم يقيموا وطن قومى، واستطاعوا انهم يحصلوا على التأييد، واستطاعوا انهم يحصلوا على الأموال؛ فهم إذا كانوا النهارده بيتكلموا على دولة إسرائيل وملك إسرائيل المقدس من النيل إلى الفرات، هم ما بيبصوش علشان يحققوا دا النهارده أو يحققوه بكرة، ولكن بيبصوا على أساس الأيام القادمة هى اللى حتحقق لهم هذا، وبيبصوا على أساس ان الفرص قد تسنح علشان يحققوا هذا. ولهذا احنا طبعاً لازم نستعد لمجابهة هذا الخطر، ومجابهة الخطط الصهيونية من أجل تصفية القومية العربية، ومن أجل إقامة قومية صهيونية متفوقة فى هذه المنطقة فى العالم.

دى الظروف اللى بتقابلنا، قلنا الأهداف اللى بتقابلنا، ودى الظروف اللى احنا بنمر فيها؛ مؤامرات وخطر للتفرقة، ووقيعة ودس، وفى نفس الوقت محاولات لإسرائيل لتقوية إسرائيل، ومعاونات لإسرائيل.

الطريق أمامنا علشان نمشى لتحقيق هذه الأهداف وسط هذه المؤامرات - زى ما قلت لكم - الطريق واضح؛ لابد أن نتحد، لابد أن لا نمكن أعدائنا وأعداء القومية العربية من انهم يفرقوا بينا ويثيروا الخلافات حتى يسودوا ويرجعونا ضمن مناطق النفوذ، لابد أن لا نمكن الرجعيين أعوان الاستعمار وأعدائنا وأعداء القومية العربية من أن يبثوا بيننا الفرقة حتى يتحكموا فينا زى ما اتحكموا فى الماضى، ويستغلونا ويسيطرون علينا ويسلبونا ثرواتنا، لابد أن نتحد حتى لا نمكن الاستعمار من انه يتحكم فينا ويضعنا فى مناطق النفوذ، ويحتكر ثرواتنا علشان تكون مال حلال له، ويخلينا نعيش فى مجتمع بدائى متأخر؛ طبقة خاضعة لطبقة، فيه سادة وفيه عبيد. لابد أن نتحد؛ باتحاد الشعب نستطيع أن نحقق المعجزات، نستطيع ان احنا نحمى هذا الاستقلال، نستطيع ان احنا نحمى القومية العربية، نستطيع ان احنا نقيم عدالة.. نقيم عدالة اجتماعية، ونستطيع أن نقيم ديمقراطية سياسية وديمقراطية اجتماعية، ونستطيع أن ننظم الثورة الاجتماعية وننهى التناقض الذى يسود مجتمعنا.

نحن نعيش - أيها الإخوة - فى فترة انتقال زى ما قلت، والتركة اللى تحملناها تركة ثقيلة يظهر فيها بوضوح التناقض اللى يسود المجتمع اللى بنعيش فيه. ونحن نحتاج إلى عمل مستمر؛ لإن لا نستطيع أن نقضى على التناقض الذى يسود مجتمعنا إلا إذا عملنا وزودنا دخلنا القومى، وعملنا فى الزراعة، وعملنا فى الصناعة، وكل واحد عمل، وبهذا؛ بتطوير هذا الاقتصاد نستطيع أن نقضى على التناقض الاجتماعى، ونستطيع أن ننظم الثورة الاجتماعية. ولازم أيضاً نشوف اقتصادنا ونظمه، وازاى هذا الاقتصاد يكفى مطالبنا، ما نديش فرصة لأعدائنا أو للمؤامرات الاقتصادية؛ إغراق أسواقنا بالمنتجات الاستهلاكية علشان ياخدوا فلوسنا وما تفضلناش فلوس علشان نبنى بها مصانع، وعلشان نشغل بها العمال، عايزين نبنى المجتمع اللى بيشعر فعلاً بالعدالة والمساواة، ويشعر انه متحرر من الاستغلال الاقتصادى والاجتماعى والسياسى.

عايزين نبنى اقتصاد وطنى متحرر، عايزين نعمل على تطوير هذا الاقتصاد وتخطيطه. عايزين نبنى أيضاً - بجانب الثورة السياسية والثورة الاجتماعية - الثورة الروحية والمعنوية؛ اللى هى من مستلزماتنا ومستلزمات طبيعتنا كعرب؛ وحدة الشعب.. الوحدة الكاملة هى السياج اللى يحمينا ويحمى استقلالنا ويثبت استقلالنا. وحدة الشعب وتنظيم العمل، وتنظيم العمل السياسى، والديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية، وعدم إعطاء فرصة لطبقة تتحكم على طبقة، وعدم إعطاء فرصة لحزب علشان يتصل بدولة أجنبية ياخد مساعدتها علشان تمكنه من العمل فى البلد، وعلشان يكون الحكم فعلاً حكم وطنى ومتحرر قوى، وعلشان كل واحد يكون بيعمل وضهره مطمئن؛ نقضى على الأحقاد، نشعر بالمساواة. كل دى عمليات لن نستطيع بأى حال من الأحوال أن نحققها فى يوم واحد أو فى أسبوع أو فى شهر أو فى سنة، ولكنها تحتاج إلى عمل مستمر، وتحتاج إلى جهد مستمر، وتحتاج إلى تنظيم كامل للشعب حتى لا يغرر به كما غرر بنا فى الماضى.

فى الماضى غرروا بنا - زى ما قلت لكم - باسم الديمقراطية السياسية، وكان كل واحد بيطلع ينادى بالحياة والمجد لبلده، وينادى بتحقيق المطالب وبتحقيق الأهداف، وبعدين كان بيقتنع بانه بيحقق لنفسه هو المكسب، ويحقق أهدافه وأهداف عائلته، أو أهداف محاسيبه.

سبيلنا الوحيد إلى هذا هو أن يتحد المواطنين جميعاً فى اتحاد قومى يعمل من أجل البلد ومن أجل كل المواطنين، لا من أجل فئة، ولا من أجل حزب. الاتحاد القومى هو اللى حيمنع اتصال أى حزب بدولة أجنبية ليكون عميل لها فى بلادنا، يمنع أعوان الاستعمار من أن يعملوا فى بلادنا. الاتحاد القومى هو الذى سيمكنا من أن نتخلص من التركة الثقيلة اللى ورثناها عن الماضى؛ بنتخلص من الإقطاع وسيطرة رأس المال على الحكم. الاتحاد القومى بيخلى كل واحد يشعر بالطمأنينة، وبيقضى على الأحقاد وعلى التنابذ وعلى التفرقة، ولا يمكن للمستعمر أو لا يمكن لأعدائنا من انهم ينفذوا بيننا.

الاتحاد القومى هو سبيلنا، والاتحاد القومى - زى ما قلت - بواسطته نستطيع أن نقضى على التناقض الاجتماعى اللى وجد فى بلادنا، ونستطيع بواسطته أن نخلق مجتمع تزول فيه الفوارق بين الطبقات، ننظم اقتصادنا، كل واحد فينا بيعمل لبلده، مافيش واحد بيعمل لحد تانى. طبعاً الاتحاد القومى هو سبيلنا لتجنيد نفسنا علشان حماية استقلالنا، وهو سبيلنا لتجنيد نفسنا لتثبيت هذا الاستقلال، وهو سبيلنا لوضع الثورة الاجتماعية موضع التنفيذ. وأنا باعتبر إن تنظيم الاتحاد القومى وقيام الاتحاد القومى فى جميع أنحاء الجمهورية عمل بالغ الأهمية؛ لإنه هو الوسيلة اللى بها بنظم نفسنا، اللى بها بنقيم ديمقراطية سياسية، بنقيم ديمقراطية اجتماعية، اللى فيها بنحل التناقضات بين الشعب، اللى فيها بنزل الفوارق، واللى بواسطته بنقيم مجتمع اشتراكى ديمقراطى تعاونى متحرر من الاستغلال السياسى والاقتصادى والاجتماعى.

حتى الآن - أيها الإخوة - لم يقم الاتحاد القومى فى سوريا، ولم ينظم الاتحاد القومى فى سوريا، وزى ما قلت لكم: إن السنة اللى فاتت فى سوريا كانت سنة ملئانة بالكفاح ضد المؤامرات وضد الاستعمار، ومن الواجب أن نبدأ فى الحال فى تكوين الاتحاد القومى فى جميع أنحاء الجمهورية. الاتحاد القومى تكون فى الإقليم الجنوبى فى مصر ولم يتكون فى الإقليم الشمالى فى سوريا، ولقد تقرر أن الاتحاد القومى يجب أن ينظم بحيث يكون ممثل لجميع الشعب بطريقة ديمقراطية؛ ولهذا سنقوم بعمل انتخابات يشترك فيها كل من له حق التصويت فى مصر وسوريا فى المحافظات والمديريات علشان انتخاب اللجان التنفيذية للاتحاد القومى.

وبهذا يكون الشعب اختار ممثليه، وبهذا نربط أو نخلق الصلة بين الشعب وبين اللجان الممثلة له، وبهذا نبدأ فى تنظيم الاتحاد القومى.

هذه الانتخابات - إن شاء الله - تبدأ بعد العيد.. يعنى بعد ما يعدى رمضان وبعد ما يعدى العيد، كل الناس بيكون لها حق الترشيح فى كل مديرية وفى كل محافظة. وبعد كده بنكون خطينا خطوة رئيسية فى بناء الاتحاد القومى، وكل واحد يكون له الحق فى اختيار من يمثله، وبهذا تتحقق فكرة الاتحاد القومى اللى بتقول: إن الاتحاد القومى يجمع كل المواطنين ويمثل كل المواطنين.

وبعد كده كل سنة أو كل سنتين نقدر نعمل انتخابات كبيرة، ويجب ان احنا نعرف مشاكل الناس حتى نحل هذه المشاكل. قطعاً فيه مشاكل فى كل قرية وفى كل منطقة وفى كل محافظة وفى كل مديرية، إذا انعزلنا عن هذه المشاكل لن يستطيع الاتحاد القومى انه يمثل اتجاهات الشعب ويمثل رغبات الشعب، وبالانتخابات وبالاتصال الدائم بالشعب بنستطيع ان احنا نحقق هذا الاتصال، وبنستطيع ان احنا نعرف هذه المشاكل، ونحل هذه المشاكل.

الاتحاد القومى يعمل على تضامن الشعب فى كل قرية، وفى المدينة برضه، من أجل مصلحة القرية، ومن أجل التطور الاقتصادى والتطور الاجتماعى والتطور السياسى. وبهذا نبقى حققنا فعلاً الوسيلة اللى تخلينا نقدر نصل إلى هدفنا فى الطريق الوعر اللى كل واحد فينا بيحس به، وفى الظروف الصعبة اللى كلنا بنشعر بها. والله يوفقنا جميعاً ويوفقكم.

والسلام عليكم ورحمة الله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خطاب الرئيس جمال عبد الناصر بمناسبة الاحتفال بيوم الوحدة من ميدان الجمهورية

بتاريخ الحادي والعشرين من نوفمبر العام ١٩٥٩م.