نحن الآن نخوض معركة التطوير الكبرى وفى مقدمة الصفوف الأولى من تحتنا يسير العلماء
أيها المواطنون:
وسط هذا الحشد المجيد من معارك الحرية فى كل مكان حولنا؛ تحتفلون اليوم بعيد العلم وسط معركة الحرية العربية فى الجزائر المقاتلة، وسط معركة الحرية الإفريقية فى الكونجو الصامد، وسط كل هذه المعارك التى تخوضها الشعوب المناضلة ضد الاستعمار بكافة صوره وأشكاله.
وسط هذا كله ويجىء احتفالكم بهذا العيد تكريماً للفنانين والعلماء، وليس هذا فى تصورى انعزالاً عن الحوادث وإنما هو فى يقينى تفاعل حى مع هذه الحوادث، وتجاوب صميمى مع معاركها الدامية. إن الفن فى حقيقة أمره مظهر حى للحرية، والعلم فى حقيقة أمره أيضاً مظهر حى للحرية، الفن هو انطلاقة الإنسان الحر لاستكشاف نفسه، والعلم هو انطلاقة الإنسان الحر لاستكشاف الكون من حوله، والحرية من الفن وفى العلم دورة كاملة تعطى وتأخذ، وتؤثر وتتأثر، تدفع وتندفع؛ ذلك أن الإحساس بالحرية الذى يدفع الفنان إلى الخلق الفنى يتحول بعد الخلق إلى قوة دافعة نحو مزيد من الحرية، ومجال التفكير الحر أمام العالم الذى يقترب به رويداً رويداً من الحقيقة الكبرى، يتحول بهذه الحقيقة ذاتها إلى طاقة حافزة نحو مزيد من التفكير الحر.
هكذا فإن الحرية مقدمةً للفن وللعلم، كما أن المزيد منها فى الوقت ذاته نتيجة حتمية للفن وللعلم، بل إن التفاعل بين الفن والعلم يمضى إلى أبعد من ذلك بالتلازم مع معارك الحرية، إن كلاهما يكمل الأخرى فى كفاح الأمة الواحدة، إن الفن يصبح أقوى الأسلحة فى معركة الحرية السياسية ضد الاستعمار وضد الاستغلال، ثم يجىء دور العلم ليصبح السلاح الأكبر فى معركة الحرية الاقتصادية والاجتماعية لصنع المجتمع الحر.
ومازالت فى ذاكرتنا جميعاً مشاهد من أعمال فنية كانت من أكبر مصادر الإلهام فى كفاحنا الوطنى، كذلك مازالت فى أسماعنا أصداء أناشيد كانت من أقوى ما حملنا معنا إلى ميدان القتال من عتاد، كانت الكلمة فى مثل قوة طلقة الرصاص فى نضالنا، وكذلك كان النشيد، وكانت لمسة الضوء واللون على الورق.
وها نحن الآن نخوض معركة التطوير الكبرى، وفى مقدمة الصفوف الأولى من تحتنا يسير العلماء وهم الآن بالمئات فى المعامل وفى المصانع، فى الحقول وفى المناجم؛ يبحثون عن الحل للمشاكل المستعصية، ويجدون الوسائل للغايات الكبرى ويقودون المجتمع الجديد إلى الآفاق التى طالما تطلعنا إليها. وليس معنى ذلك أن هناك انفصالاً فى دور الفن والعلم، ليس معنى ذلك أن الفن وحده هو دليل المعركة من أجل الاستقلال. وليس معنى ذلك أن العلم وحده هو دليل المعركة من أجل التطوير، ليس ذلك ما قصدت إليه، فالواقع فى تصورى أن التفاعل بين الفن والعلم وبين الحرية فى أطوارها المختلفة إنما هو تفاعل مستمر متحرك متجدد لا فجوة فيه ولا انفصال بين دوراته. وإنما الذى قصدته إليه هو أن دور الفن يكون أكثر بروزاً فى التعبئة المعنوية اللازمة لدفع الكفاح السياسى، كما أن دور العلم أكثر بروزاً فى التعبئة المادية اللازمة لدفع الكفاح الاقتصادى والاجتماعى، على أن للعلم دوره الرائع فى الوعى المستنير اللازم لإنجاح المعركة السياسية، كما أن للفن دوره الرائع فى خلق الشعور الإنسانى اللازم لإنجاح المعركة الاقتصادية.
أيها الإخوة المواطنون:
من هنا أقول أن احتفالنا بعيد الفن والعلم اليوم ليس انعزالاً عن المعارك التى تدور من حولنا طلباً للحرية، إنما هو فى تصورى تفاعل معها وتجاوب صحيح مع معاركها الدامية، بل هو أكثر من ذلك؛ هو وعد وهو عهد.. وعد وعهد من شعب هذه الجمهورية العربية المتحده الذى أدرك دور الفن والعلم فى تحقيق حريته، وعد وعهد من هذا الشعب الذى يدرك دور حريته التى حصل عليها فى تحقيق حرية غيره من الشعوب المحيطة به، المتطلعة إلى مثل ما يسعى لتحقيقه. وإن القيمة الكبرى لشعب هذه الجمهورية العربية المتحدة هو أنه طليعة، كما أن القيمة الكبرى لهذه الجمهورية العربية المتحدة هى أنها قاعدة، تلك قيمتنا وتلك فى نفس الوقت مسئوليتنا، على شعبنا أن يتحمل مسئولية أنه طليعة، وعلى جمهوريتنا أن تتحمل مسئولية أنها قاعدة للحرية.
وليس احتفالكم اليوم بعيد الفن والعلم إلا توكيداً للدعائم التى تقوم عليها الحرية فى وطننا، كما أن هذا الاحتفال وسط الأحداث التى تحيط بنا ليس فى حد ذاته إلا توكيداً لتقبل شعبنا الحر لمسئوليات دوره الطليعى فى حرية غيره من الشعوب، واستعداده لأن يجعل من أرضه قاعدة تصنع بدورها للحرية قواعد جديدة تساهم فى صنع عالم السلام الذى تريده الشعوب.
إن الحرية بطبيعتها لا يمكن أن تكون أنانية إقليمية، هكذا فإن الشعب الحر لا يملك إلا أن ينتصر للحرية فى كل مكان، ومن ناحية أخرى فإن الحرية بمنطقها الزمنى تدرك أن نجاحها فى مكان هو أمن وتدعيم لنجاحها فى مكان آخر؛ هكذا فإن ثمة رابطة تربط الأحرار فى كل مكان، رابطة تنبع من المصلحة المشتركة كما تنبع من الشعور المشترك.
أيها الإخوة المواطنون:
لقد حاول الاستعمار أن يستخدم أرقى ما وصل إليه الجنس البشرى لكى ينحرف به عن غرضه ويسخره لخدمة مطامعه، هكذا مثلاً رأينا الاستعمار الفرنسى فى الجزائر يستعمل القوة لكى يضرب بها الحق، ويحاول استخدام العلم ليضرب به الحرية. لقد رأينا المذابح الوحشية تجرى علناً، وعمليات القتل الجماعى تباشر دون رقيب من القانون أو الشرف لإخضاع الشعوب وقهر إرادتها، بل إن الاستعمار - كما حاول فى الكونجو - لم يكتف باستخدام القوة لضرب الحرية وتمزيق أوصالها، بل حاول أن يفرض الجهل وأن يعوق التطور الحتمى عن أخذ مداه، ولما حاولت القيادة الوطنية فى الكونجو أن تتمرد على هذا الحصار الذى أريد به عزل شعب الكونجو عن الحضارة، صب الاستعمار على هذه القيادة الوطنية غضبه وحقده. وليس أمامنا فى الجزائر أو فى الكونجو إلا أن نكون أوفياء لدورنا؛ لدور شعبنا كطليعة ودور وطننا كقاعدة. وإذا كان الاستعمار فى الجزائر يضرب الحرية بالقوة، فإن واجبنا هنا أن نعمل من أجل مزيد من القوة لتكون قوتنا للحرية دعامةً وسنداً، وإذا كان الاستعمار فى الكونجو يحاول أن يفرض الجهل، فإن واجبنا أن نحطم الحصار وأن ندخل ضياء الحرية الباهر إلى قلب القارة الإفريقية.
أيها الإخوة المواطنون:
بهذا الوعى يقف شعبنا الآن وتقف جمهوريتنا العربية المتحدة، بهذا الوعى تتقدم الطليعة العربية الحرة وتصمد القاعدة العربية الحرة، بهذا الوعى نصون الحرية فى وطننا وندعمها ونحمى الحرية فى أوطان غيرنا ونفتح لها الطريق، بهذا الوعى نتصدى للظلم وللظلام، ونقاوم جحافل الاستعمار فى كل مكان بكل قوانا لكى يظهر الحق ولكى تتبدد جيوش الظلام، بهذا الوعى نرفع فى ثبات علم الحرية فوق رؤوسنا.. فوق رؤوس الأحرار فى كل الأوطان، وبارك الله هذا الوطن الذى كان ابناً للحرية وأصبح الآن أباً لها.
والسلام عليكم ورحمة الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلمة الرئيس جمال عبد الناصر فى الاحتفال بعيد العلم من جامعة القاهرة
بتاريخ الخامس عشر من ديسمبر العام١٩٦٠م.