ما هو رأيكم فيما يدعيه أعداء الحياد الإيجابى من أنه غير مفهوم، أو أنه شيوعية مستترة؟

 ما هو رأيكم فيما يدعيه أعداء الحياد الإيجابى من أنه غير مفهوم، أو أنه شيوعية مستترة؟
الرئيس جمال عبدالناصر والصحفى اللبنانى ملحم عباس

 الرئيس جمال عبدالناصر: إن الحياد الإيجابى، أو سياسة عدم الانحياز، يعنى عدم الوقوع تحت سيطرة أية دولة من الدول الكبرى، واتباع سياسة مستقلة؛ لأن سياسة الانحياز لدولة كبرى ليس لها من نتيجة سوى التبعية، وذوبان شخصية الدولة التابعة فى شخصية الدولة المتبوعة، فلا يكون أمامها سبيل إلا تلقى الأوامر وتنفيذها.

إن التبعية أنواع: فمنها تبعية سياسية بمعنى أن تكون الدولة تابعة سياسياً للدولة الكبرى، فلا تكون لها أية حرية فى اتخاذ قرار سياسى، ويكون عملها الموافقة على قرارات الدولة الكبرى وتنفيذ سياستها.

والنوع الثانى هو التبعية الاقتصادية بمعنى أن يكون اقتصاد الدولة خاضعاً كل الخضوع للدولة الكبرى، الأمر الذى يمكن الدولة الكبرى من التحكم فى كل صغيرة وكبيرة فى شئون الدولة الداخلية، دون أدنى معارضة من السلطات الحاكمة.

إن الرئيس الأمريكى الأول "جورج واشنطن" تنبه لهذا الأمر إثر حصول أمريكا على الاستقلال، بعد أن كانت مستعمرة بريطانية، وقد سجل رأيه فى خطاب الوداع فقال: "إن مصلحة أمريكا هى البعد عن المنازعات التى تجتاح دول أوربا، وإن السياسة السليمة التى تحفظ لأمريكا استقلالها هى سياسة الحياد وعدم الانحياز فى المسائل السياسية، مع العمل على التوسع التجارى مع جميع الدول، وخلق صداقة معها جميعاً". وفى هذا ما يكفى للإجابة عن ادعاءات المتجاهلين خاصة ومنهم أكثر من مؤيد لسياسة واشنطن.

سؤال من الصحفي عياش: ما هو هدف المحاولات التى تقوم بها الدول الاستعمارية لتفتيت الجبهة العربية المتحررة؟

* الرئيس عبدالناصر: إن هدف الدول الاستعمارية الرئيسى فى هذه المحاولات هو القضاء على القومية العربية التى أصبحت هدفاً يتمسك به العرب جميعاً، وليست محاولة الاستعمار لإضعاف الجبهة العربية المتحررة إلا خطوة أولى فى سبيل الهدف الأكبر وهو القضاء على القومية العربية ومقوماتها. وأعتقد أن الاستعمار يستطيع أن يحقق بعض النجاح معتمداً على أذنابه، ولكنه لن يحقق كل النجاح، وإذا تمكن الاستعمار من تحقيق بعض النجاح معتمداً على أذنابه فستنكمش القومية العربية إلى حين، ولكنها لن تخبو أبداً؛ لأنها عقيدة فى النفوس، وليست شيئاً مادياً يمكن القضاء عليه.

إن القومية العربية عقيدة فى نفس كل عربى يشعر بحقه فى الحرية والحياة، وبأن سلامته وحريته تتمثلان فى سلامة العرب وحريتهم، ولهذا فإن الدول الاستعمارية ستحاول بكل الوسائل - معتمدة على أعوانها - أن تضرب القوى العربية، معتمدة فى ذلك على الدس، والفتنة، والرشوة، والوعود، والإرهاب. ولكنها مهما حققت من نجاح لن تستطيع مواجهة القومية العربية وجهاً لوجه، بل إن هذه الأساليب سوف تزيد القومية العربية اشتعالاً ونارها تأججاً، وليست الأحداث التى يباركها الاستعمار سوى الدليل الساطع على أن القومية العربية هى السلاح الفعال ضد السيطرة الأجنبية.

إن الدول الاستعمارية قد تتمكن من أن تثير الشكوك بين الدول العربية، وبين الطوائف المختلفة بها، ولكن الحقيقة لابد أن تظهر، فيشعر الناس بأن الاستعمار إنما يريد أن يكبلهم بأغلاله وقيوده؛ حتى يكونوا تابعين، ليست لهم السيادة على أوطانهم ومقدراتهم.

إن الاستعمار حقق فى مصر على مر السنين ما يصبو إليه من نجاح فى سبيل عزل مصر عن بقية الدول العربية، ولكن هذا النجاح لم يكن سوى الوقود الذى أشعل نار القومية العربية فى نفوس أبناء الشعب المصرى، وعندما استطاع هذا الشعب أن يحطم القيود المفروضة عليه، وأن يعبر عن عواطفه دون رادع؛ بدأ بإعلان إيمانه بالقومية العربية.

----------------

جزء من حوار صحفي للرئيس "ناصر"  مع  السيد "ملحم عياش "
الصحفي بجريدة "الديار" اللبنانية فى ٢٧ / ٥ / ١٩٥٧م