احنا مش موظفين.. احنا أصحاب رسالة

احنا مش موظفين.. احنا أصحاب رسالة

مواطنى الأعزاء:

أحييكم، وأحب فى هذه المناسبة أن أعبر لكم عن الفرحة التى تملأ نفسى لتحقيق الآمال التى كنا نشعر بها جميعاً، ونحلم بها جميعاً. وأحب فى هذه المناسبة التى أتكلم فيها فى احتفال عام، وفى اجتماع عام، بعد المحنة الأخيرة التى مرت بها الثورة والتى مرت بها آمال الوطن.. وأحب فى هذه المناسبة أن أتحدث إليكم حديث المواطن للمواطن، وحديث الأخ لأخيه، الأخ الذى كان يشعر دائماً بآلام الوطن وآلام المواطنين، والذى كان يحلم دائماً بآمال الوطن وآمال المواطنين.

أريد فى هذه المناسبة أن أتحدث معكم حديثاً هادئاً، قوياً، عميقاً؛ حتى نعرف الظروف التى مرت بها هذه الثورة، وحتى نعرف الظروف التى أراد الأعداء وأعوان الاستعمار أن ينقضوا فيها على هذه الثورة؛ حتى يعيدوا التاريخ إلى ما كان عليه قبل سنة ٥٢، وحتى يعيدوا الوطن إلى ما كان عليه من الاستغلال، ومن الاحتكار، ومن الديكتاتورية التى نادوا بها تحت اسم البرلمانية، والتى نادوا بها تحت اسم الديمقراطية.

أريد أن أتحدث معكم حديثاً هادئاً، فإن هذه الثورة التى قامت فى يوليو ٥٢، كانت تعبر عن الآلام، وكانت تعبر عن الآمال، لا عن آلام الجيش ولا عن آمال الجيش، ولكنها كانت تعبر عن آلامكم أنتم - أيها المواطنون - وكانت تعبر فى نفس الوقت عن آمال كل مواطن وعن آمال المواطنين أجمعين، كانت تعبر عن آمال الفلاح فى أرضه وعن آمال العامل فى مصنعه، وعن آمال الموظف فى عمله، كانت تعبر عن آمالنا جميعاً، نحن الذين كنا نشعر أن الاستغلال يتحكم فينا.. يتحكم فى حريتنا، ويتحكم فى أرزاقنا، ويتحكم فى رقابنا، ويتحكم فى كرامتنا، ويتحكم فى عزتنا.

كنا نشعر بهذا قبل هذه الثورة، وهذه الآمال جميعاً وهذه الآلام جميعاً تبلورت.. تبلورت عن ثورتكم أنتم أيها الشعب.. أيها الشعب الذى كافح طويلاً، كافح وكافح آباؤه وكافح أجداده؛ حتى يتخلص من الاستغلال، وحتى يتخلص من الاستعباد، وحتى يتخلص من الظلم الاجتماعى، ولكنه لم يتمكن، ولم يتمكن مطلقاً تحت نير الظلم وتحت نير الاستعباد من أن يحقق الآمال، وكان يشعر دائماً أن الجيش يقف عقبة فى سبيله.. فى سبيل حريته، وفى سبيل التحرر من الاستغلال، وفى سبيل تحرير لقمة العيش.

كنا نشعر بهذا ونحن ضباط فى الجيش، فوجدنا أن هناك مسئولية كبرى تقع على عاتقنا نحن ضباط الجيش.. ونحن رجال الجيش؛ حتى نشترك مع الشعب فى كفاحه، وحتى نشترك مع الشعب فى التخلص من الآلام، وحتى نشترك مع الشعب فى تحقيق الآمال؛ فقمنا بهذه الثورة نعبر عنكم، وعن إرادتكم، وعن آلامكم، وعن آمالكم.

نعم أيها المواطنون.. لم تكن هذه الثورة مطلقاً وبأى حال من الأحوال تعبر عن مطالب ضباط الجيش أو تعبر عن آمال ضباط الجيش، ولكنها كانت تعبر عن مطالبكم أنتم - أيها الرجال - وكانت فى نفس الوقت تعبر عن آمالكم أنتم - أيها الرجال - لأسباب بسيطة ولأسباب يسيرة، كنا فى الجيش نشعر دائماً أنهم يريدون أن يسترضونا ويحاولوا بكل وسيلة من الوسائل أن يستميلونا.. يستميلونا إلى الظلم وإلى الدفاع عن الظلم، وإلى الطغيان وإلى الدفاع عن الطغيان، ولكنا كنا دائماً نفكر ونتكلم، هل نتجه إلى الظلم والطغيان أو نتجه إلى هذا الشعب الطيب الأمين، فآثرنا وآثرت نفوسنا التى هى جزء من نفوسكم أن نتجه إلى الشعب الطيب الأمين.

لم تكن هذه الثورة ثورة فرد أو أفراد، ولم يكن هدف هذه الثورة الحكم، أو السلطة، أو السلطان، ولكن هذه الثورة كانت تقول دائماً: لماذا؟!.. لماذا يحرمنا الاستغلال من لقمتنا؟! لماذا يحرمنا الاستغلال من رزقنا؟! لماذا تتحكم فئة قليلة منا فى أرزاقنا وفى لقمة عيشنا؟! ولماذا يحرمنا الاستعمار وأعوان الاستعمار من حريتنا ومن حقنا فى الحياة؟! فقامت هذه الثورة لتقضى على الاستغلال ولتقضى على الاستعباد، ولتحقق للوطن وللمواطنين الحرية الكاملة من الاستعمار وأعوان الاستعمار.

إخوانى:

كلنا نعلم وكلنا نعرف كيف كان يحكم هذا الشعب، وكيف كانت تدار أمور هذا الشعب. لقد استبدت بنا فئة قليلة؛ نادت بالوطنية ونادت بالحرية ونادت بالديمقراطية، وتحت هذه الأسماء الضخمة وتحت هذه الأسماء البراقة استعبدتنا وتحكمت فينا الديكتاتورية الحزبية.. الحزبية البغيضة.. الحزبية الكريهة التى غررت بنا وغررت بآلامنا.. غررت بآمالنا ولم تحترم مطلقاً آمالكم - أنتم - وآلام هذا الشعب.. لم تحترمها ولكنها كانت تفكر دائماً فى معنى واحد.. هذا المعنى يتلخص فى كلمة واحدة، هذه الكلمة هى الاستغلال. كيف يتحكمون فيكم، وكيف يتحكمون فى رقابكم، وكيف يستغلوكم، وكيف يستولون على لقمة عيشكم، وكيف يستولون على عرق جبينكم.

هذا هو هدفهم.. هذا هو هدفهم الذى كانوا يعملون له دائماً تحت اسم الحرية وتحت اسم الديمقراطية، وإلا فليقولوا لى الآن: ماذا تعنى الحرية وماذا يعنى البرلمان إذا كانت الحرية تشمل الوطن كمجموع، ولكن الاستعباد.. ولكن الاستغلال يشمل الأفراد فى القرى وفى الأراضى الزراعية؟!

لقد كان الفلاحون.. الفلاحون الذين يمثلون أغلبية هذا الشعب، الذين يمثلون الغالبية العظمى - يمثلون ١٨ مليون من أبناء هذا الشعب - لا يشعرون بالحرية.. لا الحرية الفردية، ولا الحرية الجماعية، ولا حرية الرزق، ولا حرية لقمة العيش، وإلا فإن الفرد منهم الذى كان ينادى برأيه وينادى بعقيدته وينادى بالحرية، ماذا كان يحدث له أيها الإخوان؟ إنى أعرف جيداً - وأنتم تعرفون جيداً - كيف كان الإقطاع وأصحاب الإقطاع يتحكمون فيكم ويتحكمون فى الفلاحين، وكانوا يخرجون الرجل الذى يرفع صوته من الأرض هو وابنه وزوجته وعائلته إلى حيث لا يجد لقمة له، تسد له رمقه، أو تطعم أطفاله. هل هذه هى الحرية التى ينادون بها؟! لقد قامت هذه الثورة لتحرر الفرد أولاً، وإذا حررنا الفرد من الاستغلال، ومن الاستبداد، ومن الاحتكار، إننا بهذا نكون قد حررنا الوطن، وقد حققنا الحرية للمواطنين جميعاً. (هتاف لجمال بطل الثورة).

اسمعوا يا إخوانى.. أنا برضه أحب بعد هذه المحنة الأخيرة التى زعزعت الثقة فى النفوس وألقت الرعب فى القلوب؛ أن أتحدث إليكم حديثاً هادئاً.. هذه الثورة عندما قامت كانت تنادى بالحرية وبالديمقراطية وعودة الحياة النيابية. أول حاجة طالبناها بعد ٢٣ يوليو أن يعود البرلمان الوفدى.. أن يعود البرلمان الوفدى، وتقابلنا مع رجال الوفد.. بعد خروج الملك رحت وكان معايا صلاح وعبد الحكيم فى بيت أحد زملائنا، يوزباشى اسمه ياسين سراج الدين يقرب لفؤاد سراج الدين، وتقابلنا مع فؤاد سراج الدين، قلنا له: هذه الثورة تنادى بالحرية وتنادى بالديمقراطية، هذه الثورة لها أهداف، هدفها الأول هو الحرية، واحنا متأكدين كل التأكد أنه لن تقوم حرية فى هذا البلد طالما كان الإقطاع موجود، وطالما كان الفلاح يستخدم كعبد ولا يعترف به كإنسان وكمواطن له كل الحقوق. اتكلمنا معاه فى هذا وقلنا له: الشرط الأول لعودة البرلمان الوفدى ولعودة الحياة النيابية التى كانت تتمثل فى الوفد فى هذا الوقت، أن يقر الوفد وتقروا وتعلنوا قبولكم لتحديد الملكية والإصلاح الزراعى، دا كان الشرط الأول.

كان الشرط الثانى اللى احنا كنا نؤمن به قبل هذه الثورة أن سيطرة رأس المال على الحكم والحكام تملى بيعود بالضرر على المستهلك، اللى هو بيمثل الأفراد العاديين من هذا الشعب. كلنا نعرف كيف كان رأس المال يسيطر على الحكم، ازاى أندرواس كان يروح له رئيس الوزارة ويروح له الوزراء، ازاى أصحاب رؤوس الأموال كانت هى الكلمة الأولى كلمتهم. كلنا كنا نعرف هذا وكلنا نشعر بهذا، وكلنا كنا نشعر أن العامل الصناعى لا يستطيع أن يرفع صوته مطلقاً، ولا يستطيع أن يأخذ حقوقه مطلقاً؛ لأن صاحب رأس المال اللى بيشتغل عنده هو الحكم وهو الحكومة، بل أكثر من هذا هو سيد الحكومة وهو سيد الحكام، فكان طلبنا الثانى، ألا يتحكم رأس المال أو يتحكم صاحب رأس المال فى الحكم أو فى الحكومة.

كانوا دول الطلبين الرئيسيين اللى احنا نعتقد انهم كانوا سبب البلاء فى هذه البلد، سبب البلاء فى هذه البلد كان الإقطاع، وسيطرة رأس المال وصاحب رأس المال على الحكم والحكومة. ازاى صاحب رأس المال يسيطر على الحكم والحكومة؟ يدى الحاكم مبلغ من المال.. يدى له ٢٠٠ ألف جنيه علشان يشغل نصف مليون جنيه، طبعاً نتيجة هذا ان الحاكم حيسيبه يسترد الـ ٢٠٠ ألف جنيه دول عشر أضعاف، هو فى نفس الوقت كان بيكسر عين الحاكم، وكان بيستخدم الحاكم وكان بيستعبد الحاكم فى أغراضه اللى هى استعادة هذه الفلوس أضعافاً مضاعفة. هذه الفلوس كانت بتستعاد من مين؟ منكم انتم.. من المستهلكين.. من المواطنين.. من أفراد الشعب.

فى نفس الوقت كان الحاكم اللى بيقبل على نفسه هذا بيجد ان مدته فى الحكم لن تطول أكثر من سنة أو سنتين أو تلاتة، وكان يجد أن هذه المدة هى فرصة مواتية له ليحقق أطماعه ويحقق أغراضه، فكان بيعمل - بجانب هذا - على تشغيل جميع أفراد عيلته فى الشركات المختلفة، تبادل بين صاحب المنفعة وصاحب المنفعة، بين صاحب رأس المال وبين الحاكم وصاحب الحكم والسلطان. الحاكم وصاحب الحكم والسلطان كان يجد ان مدته قصيرة فهو لازم يستغلها إلى أقصى حد، بييجى تحت اسم الدفاع عن الوطن والدفاع عن الحقوق، وبييجى تحت اسم رفع المستوى الاجتماعى للفلاح والعامل والمواطنين، ولكنه كان بيجد ان المدة القصيرة لا تسمح له إلا برفع المستوى الاجتماعى لأفراد عائلته، ورفع المستوى الاجتماعى له هو شخصياً، فكان يحاول فى هذه المدة البسيطة أن يسلبكم انتم.. انتم - يا أبناء هذا الشعب، ويا عمال هذا الشعب، انتم اللى بتكدوا وانتم اللى بتعرقوا وانتم اللى بتاكلوا لقمتكم بعرق جبينكم - يسلبكم جزء من هذه اللقمة ويسلبكم جزء من عرق جبينكم؛ علشان يعمل لنفسه عزبة أو يعمل لنفسه ثروة أو يعمل لنفسه فلوس؛ علشان يتمتع بها بعد هذا تحت اسم الحرية، وتحت اسم الديمقراطية، وتحت اسم الحزبية الكريهة البغيضة.

قامت هذه الثورة وكانت تهدف إلى التخلص من الإقطاع، والتخلص من الاستغلال وسيطرة صاحب رأس المال، طلبنا هذا من فؤاد سراج الدين، قلنا له: وافق على الشرطين دول، يرجع البرلمان الوفدى ويرجع الوفد اللى كان بيمثل غالبية الشعب. ولكنه لم يقبل مطلقاً أن يوافق على تحديد الملكية، قال: إن تحديد الملكية حيخرب البلد، وحيطلع الفلاحين اللى ساكتين وراضيين بحالهم، ماحدش بعد كده حيقدر عليهم. كانت سياستهم فى الماضى إن الفلاح يفضل تحت الكابوس مكتوم، ملهى فى نفسه، وملهى فى حاله، ومش لاقى ياكل؛ علشان مايرفعش صوته ويطالب بحقوقه؛ لأنه إذا طالب بحقوقه وإذا تيقظ وإذا تبصر فلن يتمكنوا مطلقاً من أن يستغلوه، ولن يتمكنوا مطلقاً من أن يجمعوا الأموال وأن يزيدوا العزب والأطيان، ولن يتمكنوا مطلقاً من أن يتمتعوا بالسيادة وبالسلطة وبالسلطان؛ لأن الفلاح إذا فهم.. إذا فهم حقه، وإذا فهم انه فرد فى هذه الوطن يتساوى مع جميع المواطنين، وله من الحقوق ما للمواطنين جميعاً، وإنه فى هذه البلد مافيش سيد ومافيش مسود، مافيش سيد ومافيش عبيد؛ لن يتمكن السادة أن يبقوا على سيادتهم، ولن يتمكن السادة أن يتحكموا فى الرقاب.

لم يقبل مطلقاً فؤاد سراج الدين من أن يوافق ولو مداراة، كان يتكلم صراحة وكان يقول: لا يمكن ان احنا نقبل تحديد الملكية، وأما نقبل تحديد الملكية الوفد حيروح فين؟! هم مين الوفديين؟! هم مين سند الوفد؟! الإقطاعيين.. أصحاب الأرض.. أصحاب الأملاك، اللى بيسوقوا الناخبين، لأنهم بيتحكموا فى رزقهم، واللى ما يسمعش كلامهم يطردوه هو وأولاده. أما نوزع أراضيهم على الفلاحين، ازاى حنقدر نسيطر على الناس دول؟!.. دا كان كلام فؤاد سراج الدين.

أما الموضوع التانى لأنه موضوع غير ملموس فهو أظهر أنه موافق عليه؛ لأن طبعاً مين حيقدر يشوف هل صاحب رأس المال بيتحكم أو مابيتحكمش، دا موضوع ممكن إنه يحصل فى السر، مايحصلش كموضوع علنى. ورجع فؤاد سراج الدين إلى الوفد واعتقد انه خدعنا بكلامه المعسول، وبدءوا يتلاعبوا.. فوجدنا إن حلمنا اللى كنا بنعتقده تحقيق الحرية، والحياة النيابية، وعودة البرلمان الوفدى لن يكون إلا تكرار للماضى البغيض، وسيستمر هذا الشعب تحت هذا الحكم - كما فى الماضى - مستعبداً تتمثل فيه العبودية للأسياد أصحاب الأرض وأصحاب الإقطاع.

هذه هى الحقيقة، وبعد أن بحثنا هذا وجدنا أن لا أمل مطلقاً فى عودة البرلمان الوفدى، ويجب أن تقوم الثورة بنفسها بالإصلاح.. الثورة بنفسها، اللى قامت لأهداف معينة وأهداف محددة، هى اللى يجب أن تصلح.

ولكن هل يئس أصحاب الأرض وأصحاب الأملاك فى هذا الوقت؟ لم ييأسوا مطلقاً، وحاولوا بالخداع وحاولوا بالتضليل أن يجتمعوا وأن يغرروا بالشعب، وأن يضغطوا على الحكومة - التى كانت فى هذا الوقت ويمثلها على ماهر - وأن يهددوا الحكومة. فلما طلبنا من على ماهر انه يحقق تحديد الملكية ويقيم قانون تحديد الملكية، تباطأ وتباطأ، وتحجج بحجج كثيرة، وقابل أصحاب الأملاك وقابل رابطة أصحاب الأملاك. أصحاب الأملاك عملوا نقابة ضد الفلاحين.. عملوا رابطة وعملوا نقابة ضد الفلاحين، وجم قابلوا رئيس الحكومة على ماهر فى هذا الوقت، قابلهم فى إسكندرية وقعد معاهم، الأسياد.. أسياد لمئات السنين.. اللى كانت طلباتهم بتجاب دائماً، واللى كانت رغباتهم أوامر دائماً؛ لأنهم هم السند الأول للحكم، والسند الأول للأحزاب. طلبنا منه مرة أخرى أن يقيم هذا القانون وبسرعة وبأسرع وقت، ولكنه تباطأ، فوجدنا أن الحل الوحيد أن تباشر الثورة إصلاحاتها بنفسها، فأقلنا على ماهر، وأقام محمد نجيب وزارة الثورة الأولى.

يا إخوانى:

هذه الثورة قامت وتجمعها المحبة.. قامت هذه الثورة وتجمعها المحبة، ولا يؤثر فيها البغض والحسد والحقد والضغينة، فكانت ثورة طيبة.

يا إخوانى:

قامت هذه الثورة.. ثورة طيبة؛ لسبب بسيط جداً لأن اللى قاموا بهذه الثورة منكم أنتم.. من الشعب، هذا الشعب الطيب، ولسبب آخر؛ ان احنا كنا بنشعر ان الإنجليز، والاستعمار، والملكية كانوا العامل الأساسى فى أن تتبع الأحزاب الأساليب البغيضة التى اتبعتها فى الماضى.

يوم ٢٣ يوليو، قامت الثورة فى القاهرة، يوم ٢٤ يوليو جربوا بتوع الأحزاب، حسوا الملك مش خارج، جرى صلاح الدين.. صلاح الدين المواطن الغيور اللى بينادى بالوطنية فى هذا الوقت على قصر رأس التين، ودخل ومعاه زكى العرابى عن حزب الوفد، صلاح الدين وزكى العرابى راحوا السرايا عند الملك حينما كان كل واحد فى هذه البلد يشعر إن الملك قاعد مش خارج، ودخلوا كتبوا أساميهم فى دفتر التشريفات على الطريقة القديمة، وبالأساليب القديمة.. (ضحك) لأ.. مش بيعزوه.. مش بيعزوه - يا إخوانى - لكن بيقولوا له: احنا معاك.. احنا معاك فى هذه المحنة. بالعقل ماحدش كان يعتقد فى هذا اليوم.. يوم ٢٤ يوليو ان الملك خارج، كان جميع الناس معتقدين ان هذه الثورة، ثورة من الجيش تعبر عن مطالب شخصية، ومطالب ذاتية للجيش، فصلاح الدين - ممثل الوفد وممثل الوطنية فى هذا الوقت - راح للملك وكتب اسمه فى دفتر التشريفات، طبعاً مستنى دوره، معتبر ان دا انقلاب من بتوع كريم ثابت، أو انقلاب من بتوع  إلياس أندرواس، أو انقلاب من بتوع محمد حسن اللى كانوا واخدين عليهم فى هذا الوقت، معتبرين ان هذه الثورة انقلاب من انقلابات الخدم، وانقلابات الحاشية، وانقلابات الدسائس، ولكنهم لم يتصوروا مطلقاً أن هذه الثورة ليست انقلاباً دنيئاً كما كانوا يعملون قبل هذا، ولكنها ثورة تعبر عن الآمال وتعبر عن الآلام. (هتافات من الجماهير).

اسمعوا يا اخوانى:

يوم ٢٦ خرج الملك، يوم ٢٧ كانوا كلهم فى "أشلاء" مصطفى باشا.. كلهم كانوا فى "أشلاء" مصطفى باشا واقفين وبيعظموا زى العسكر، واقف إبراهيم عبد الهادى الطويل وجنبه على زكى العرابى القصير، وكل واحد فيهم واقف واخد تعظيم، وقالوا.. وقالوا يا إخوانى.. قالوا إيه؟ قالوا: احنا معاكم.. احنا خلاص طلقنا السياسة، واحنا خلاص نسينا الماضى، واحنا مواطنين فى هذا الشعب. كل واحد منهم كان فاكر ان الثورة حتدبح وحتقتل وحتأخذهم بما جنت أيديهم، فجم بمنتهى الذلة، وفى منتهى الاستكانة، وفى منتهى الضعف، يبينوا الخضوع ويبينوا الخنوع. ولكن الثورة الأبية الكريمة طمنتهم، قالت لهم: انتم مواطنين، فلنبدأ عهد جديد فى هذا الوطن، نبدأ عهد جديد فى سبيل المواطنين جميعاً، لا فى سبيل المستعمرين، ولا فى سبيل المستغلين ولا فى سبيل الأسلاب ولا فى سبيل الاستغلال. كل واحد خد بعضه وخرج وراح قعد فى بيتهم، جم بعد كده قالوا لنا: احنا حنطهر نفسنا وحنبتدى عهد جديد.

سارت هذه الثورة مع الأحزاب، ولكنها وجدت أن الأحزاب التى تحكمت فيها الحزبية البغيضة والتى تحكمت فيها الأنانية الكريهة لن تنصلح مطلقاً، لن تنصلح بأى حال من الأحوال. هذه الأحزاب اللى بقى لها ٣٠ سنة معتمدة على الرشوة، وعلى المصالح المتبادلة، وعلى الواجبات اللى انتم عارفينها، كل واحد يدفع.. يدفع للدايرة.. علشان يترشح فى الدايرة لازم يدفع تمن الدايرة للحزب ولرئيس الحزب، وبعد ما ينجح فى الدايرة لازم يعوض هذا، لازم يحصلوا مرة ومرتين وتلاتة منكم انتم، من عرق جبينكم، من أرزاقكم.

هذه هى الحزبية.. الحزبية البغيضة اللى قامت فى العشرين والتلاتين سنة الأخيرة، هذه هى الحزبية التى وجدناها، لن تخرج عن طريقها، ولكنها ستسير فى هذا الطريق وتضع نصب أعينها دائماً السلطة والسلطان والاستغلال والتحكم فى الأرزاق. فقررنا أن نلغى الحزبية وأن نلغى الأحزاب وأن نسير فى هذا البلد فترة قصيرة.. فترة انتقال نتمكن فيها من أن نرفع بيد الفلاح ونرفع بيد العامل، ونرفع بيد المواطنين جميعاً؛ حتى لا تتحكم فيهم فئة قليلة مستغلة احتكرت الحكم واحتكرت السلطان، وداست على نفوسهم، وداست على قلوبهم، وضللت عقولهم.

إذ أردنا بهذه الفترة القليلة أن نرفع بيد الجميع حتى نسير بعد هذا فى طريق جديد معروف هدفه، ومعروف أين يوصلنا هذا الطريق، وحتى نتمكن بعد أن تمر هذه الفترة القصيرة التى حددناها بسنوات ثلاث؛ أن نبدأ طريق الحرية متحررين من الخوف، ومتحررين من الفزع، ومتحررين من الظلم، ومتحررين من الطغيان، ومتحررين من الحزبية، ومتحررين من الأحزاب، ومتحررين من الرجال القدامى الذين تحكمت فى نفوسهم الأحقاد، وتحكمت فى قلوبهم الكراهية، وتحكمت فى عقولهم البغضاء.

أردنا بهذه الفترة القصيرة أن نسير يداً واحدة متعاونين متضامنين، أن يضع المواطن يده فى يد أخيه، أن نرفع بيد الفقير، وأن نرفع بيد الجاهل، وأن نرفع بيد الفلاح، وأن نرفع بيد العامل. وقلنا للأحزاب: فلتكن بيننا وبينكم هدنة قصيرة نعمل فيها للوطن ومن أجل مصلحة الوطن، ونتحد فيها جميعاً؛ حتى نتمكن أن نقابل الغاصب وأن نقابل المستعمر، وحتى لا يتمكن المستعمر من أن يضع الفرقة بيننا، وحتى لا يتمكن المستعمر من أن يعيد التاريخ مرة أخرى، وحتى لا يتمكن المستعمر من أن يستغل الخلافات، وأن يستغل الحزبية، وأن يستغل الكراهية، وأن يستغل البغضاء، فيتمكن فى أرضنا أبد الدهر.

وبهذا.. وبهذا فقط سنتمكن.. مواطنين نشعر بالوحدة ونشعر بالقومية أن نتحرر.. نحرر القلوب، ونحرر النفوس، ونحرر أرض الوطن، ونحرر أرض القنال.

ولكن - يا إخوانى - إذا كنا قد استطعنا أن نخفض الرؤوس فهل استطعنا أن نطهر القلوب؟! هل استطعنا أن نطهر القلوب من الحقد؟! وهل استطعنا أن نطهر القلوب من الضغينة؟! وهل استطعنا أن نطهر القلوب من البغضاء؟! وهل استطعنا أن نطهر العقول وأن نطهر النفوس من الاستغلال ومن وسائل الاستغلال؟! وهل استطعنا أن نزيل منهم آثار الماضى التى تمكنت منهم فرداً فرداً، وتمكنت منهم متعاونين متحدين حينما شعروا أن مصالحهم مرتبطة وأن مصالحهم واحدة؟! لقد استطعنا - يا إخوانى - أن نخفض الرؤوس، ولكنا بكل أسف كنا حسنى النية وكنا طيبى القلب؛ لأننا اعتقدنا أننا حينما اتجهنا إلى الوطن وإلى مصلحة الوطن قد استطعنا أن نطهر القلوب، وقد استطعنا أن ننزع منها الحقد والبغضاء.

وإنى أقول لكم من شهرين بس - يا إخوانى - جالى صلاح الدين.. صلاح الدين اللى وقف فى نقابة المحامين يوم ٢٧ مارس كالحية التى قطعت ذيلها ولم تقطع رأسها، وقف فى نقابة المحامين ولبس ثوب الحية، جالى وهو يلبس ثوب الحمل فى المكتب، والله - يا إخوانى - دخل لى كالتلميذ!.. التلميذ المؤدب، التلميذ الضعيف! وجا عندى فى المكتب طلب ميعاد - مافيش يسقط ولا بتاع - جالى فى المكتب وقال لى: محكمة الثورة.. محكمة الثورة جات فيها سيرتى، وقالوا على إن أنا رحت كتبت اسمى فى دفتر التشريفات. أنا آمنت بهذه الثورة وبأهداف هذه الثورة وبرجال هذه الثورة، وأنا من ٢٣ يوليو ماشى مواطن صالح فى هذه البلد، مافيش داعى أبداً يتوسخ اسمى، مافيش داعى أبداً تفهم البلد ان أنا رحت للملك وكتبت اسمى فى دفتر التشريفات. وقلت له أنا معاك.. قلت له حاضر، أمال أنت كنت بتعمل إيه هناك؟ قال: ان أنا رحت قابلت رئيس الديوان حافظ عفيفى، وقلت له استدعونا - احنا الزعماء - وخدوا رأينا ازاى تحلوا مشاكل هذه البلد، ولكن أنا مارحتش أبداً علشان أبين الولاء وأظهر الولاء. كدبت عقلى يا إخوانى، قلت له حاضر، عايز منى إيه؟ قال لى: بس تقول فى الجرايد ان أنا رحت علشان أطلب من الملك أن يقابل الزعماء، قلت له حاضر.

كتبت فى مجلة التحرير إن صلاح الدين قابل البكباشى جمال عبد الناصر، وقال له: إنه ماراحش علشان يعلن ولاؤه للملك، ولكن كذا وكذا، خرج صلاح الدين منحنى كالتلميذ الصغير.

يا إخوانى:

كنت باحتقر نفسيته وكنت باشفق على هؤلاء الساسة وهؤلاء المواطنين، وكنت فى نفس الوقت أعالج هذه النفس الضعيفة لأجعل منها مواطن صالح، حاولت أن أرفع من روحه المعنوية، وحاولت أن أرفع منه كشخص وكمواطن قد يرتجى منه لصالح هذه البلد، وخرج وهو يتشكر ويتشكر حتى قامت محنة الثورة، وخرج صلاح الدين من الجحر وجمع المحامين، واعتبر نفسه وزير الخارجية الجديد، اعتبر ان احنا فيما قبل ٥٢ وان هذه الثورة ثورة أفراد معدودين.. ثورة جمال عبد الناصر وجمال سالم وصلاح سالم، وان إذا زالت هذه الأفراد، فحيطلعوا تانى، والشعب حيسيبهم يطلعوا مرة أخرى! اعتبروا ان هذه الثورة ثورة لم تحقق أبداً أى تطور لهذا البلد، خرجوا من جحورهم ولبسوا ثياب الذئاب، ووقفوا ينهشوا فى الثورة وفى رجال الثورة.

يا إخوانى:

أنا باديكم هذا المثل علشان ماتخدعوش كما خدعت أنا، أنا باستمرار باقول لكم ماتخدعوش وما تحاولوش أبداً انكم تقعدوا تحت التضليل، وبكل أسف أنا خدعت، أنا واحد منكم..

اسمعوا يا إخوانى.. تملى أنا باتكلم فى كل كلامى وباقول لكم خلى بالكم من اللى بيخدعوكم، بكل أسف باقول لكم مثل خدعت أنا فيه؛ لأن النفس الطيبة اللى بتتحكم فى هذا الشعب بتتحكم فى جميع أفراده. وقف صلاح الدين فى نقابة المحامين وتزعم حملة ضد الثورة وضد رجال الثورة، وطالب بإعطاء الحكم لرجال الحكم وترك السياسة لرجال السياسة. مين هم رجال الحكم، ومين هم رجال السياسة؟ والله - يا إخوانى - أنا امبارح كان معايا كشف برجال الحكم وبرجال السياسة، اللى هم بيعبروا عنهم، رجال الحكم ورجال السياسة هم اللى يكتموا أنفاس هذا الشعب، وهم اللى يتحكموا فى رقاب هذا الشعب، وهم اللى يسلبوا هذا الشعب أرزاقه، وهم اللى يستغلوه ويخدعوه ويضللوه، دول هم اللى بيقولوا عليهم رجال الحكم ورجال السياسة، هم فاكرين إنهم يقدروا يفكروا بعقلية ما قبل الثورة.

أنا باقول هنا وباقول لكم إن اللى بيفكر بعقلية ما قبل الثورة مخطئ، ولن تسير الأمور مطلقاً بهذه الطريقة من التفكير؛ لأن الشعب تيقظ والشعب صحى من النومة الطويلة اللى كان نايمها. كل واحد عرف حقوقه وكل واحد عرف إيه هى الأرض اللى وقف عليها، كل واحد عرف مين اللى كانوا بيستغلوه وكل واحد عرف مين اللى كانوا بيخدعوه، كل واحد عرف مين اللى كانوا بيتاجروا بالحرية ومين اللى كانوا بيتاجروا بالديمقراطية، وكل واحد عارف دلوقت - يا إخوانى - مين اللى حيتاجروا بالحرية ومين اللى حيتاجروا بالديمقراطية، مين اللى حيخدعونا ومين اللى حينادوا بالباطل تحت اسم الحق.

كل الشعب عارف دلوقت.. الشعب - اللى كان نايم قبل ثورة ٥٢؛ لأنه كان عامل حساب الجيش، وكان بيعتقد ان الجيش واقف ضده مع الظلم، ومع الطغيان، ومع الاستبداد - يعلم جيداً الآن أن الجيش يقف معه يداً واحدة ضد الظلم وضد الطغيان وضد الاستبداد. فالشعب.. الشعب لن يسمح مطلقاً لأصحاب السياسة ولأصحاب الحكم المزعومين من أن يعودوا مرة أخرى، والشعب لن يسمح مطلقاً مرة أخرى أن يخدع وأن تعود هذه الوجوه القديمة مرة أخرى على المسرح. هذا الشعب الذى حققت له هذه الثورة سيادته وعزته وكرامته لن يسلم هذه السيادة، ولن يسلم هذه العزة، ولن يسلم هذه الكرامة.

واحنا - يا إخوانى - أما قمنا فى مارس واعتقدنا أن هذا الشعب قد ضلل وقد غرر به، وان الشعب بيطالب بهؤلاء الناس وبيطالب بالوجوه القديمة، وقلنا للشعب: إننا سنترك هذا المكان، سنترك السلطة وسنترك السلطان، هل كنا نعنى بهذا أننا سنترك السلطة ونتجه إلى منازلنا؟ أو سنترك السلطة ونندب حظ هذا الشعب؟!
كلا أيها الإخوان، إننا حينما علمنا أن الشعب يطالب بهذه الوجوه.. حينما استشعرنا هذا وحينما اعتقدنا أن الشعب يطالب بالبرلمان ويطالب بالحياة النيابية، وانه يعتقد أنها تعبر عن إرادته وانه يعتقد أنها تعبر عن مشيئته، فقلنا: إننا لا نستطيع أن نقف ضد الشعب وضد رغبة الشعب حتى إذا كان الشعب غرر به، وحتى إذا كان الشعب مخدوعاً، ولكنا سنترك أمكنتنا لننزل بين الشعب وننزل بين أفراد هذا الشعب، لا لنقعد فى المنازل، ولا لنقعد فى الجحور.. قلنا: إننا سننزل بين الشعب وبين أبناء هذا الشعب لنجاهد من جديد ولنجاهد مرة أخرى ولنبصر هذا الشعب بحقوقه، ولنبشر هذا الشعب، ونبصره بالاستغلال، وبالاستعباد، وبالاستبداد، ولنبصر هذا الشعب، ونعرفه أين الطريق الصح، وأين الطريق الصحيح، وأين الخداع، وأين التضليل، وأين الحق، وأين الحق الذى يراد به الباطل.

يا إخوانى:

يا إخوانى.. احنا مش موظفين، احنا أصحاب رسالة، قمنا بهذه الرسالة لنموت من أجلها. قمنا فى ٢٣ يوليو فئة قليلة، وأنا باقول لكم وأقسم لكم ان احنا قمنا فى هذه الليلة ونحن نعتقد اعتقاداً جازماً أننا لن ننجح، ولكنا كنا نقول: يجب أن نقوم، ويجب أن نثور مهما كنا قلة حتى لا يذكر التاريخ أن مصر - تحت هذا الظلم، وتحت هذا الطغيان، وتحت هذا الاستبداد - استكانت واستضعفت ولم تقم أى فئة منها.. قمنا لننير الطريق لكم، لننير الطريق لهذا الشعب الذى يئس، ولنظهر للشعب أن هناك فئة من أبنائه قامت لتموت؛ حتى يعلم الشعب أن هناك من أبنائه ومن إخوانه قوم يجاهدون ويضحون بأنفسهم ويضحون بأرواحهم فى سبيله، وفى سبيل حريته، وفى سبيل آماله، وفى سبيل آماله، قمنا فى هذه الليلة وكنا فئة قليلة من الضباط لنضحى ونموت، وكنا نعتقد أننا بهذا ننير الطريق لكم، ونفتح الطريق لكم لتتبعونا.. لتكافحوا، ولتثوروا، ولتموتوا، ولتنجحوا بعد هذا. ولكن الله الذى تخلى عنا مدة طويلة لم يقبل أن يتخلى عنا إلى الأبد، ولكن الله الذى لا يرضى للظلم أن يدوم، ولا يرضى للاستبداد أن يدوم نصرنا فى هذه الليلة، ولكن الله الذى شعر بكم وبطيبتكم وبنفوسكم وبقلوبكم، الله.. الله وحده هو الذى نصرنا فى هذه الليلة.

يا إخوانى.. يا إخوانى:

يا إخوانى.. احنا مش موظفين، باقول لكم ان احنا أصحاب رسالة، قمنا بهذه الرسالة لا لنحكم ولا لننجح، ولكن قمنا بها لنموت.. لنموت من أجلها، وحينما قلنا إننا سنترك أمكنتنا لم نقل مطلقاً إننا سنترك رسالتنا، وإننا سنتخلى عن الأهداف، أو سنتخلى عن المثل العليا التى قمنا من أجلها. كنا - أيها الإخوان - سنترك هذه الأمكنة لنجاهد مرة أخرى فى سبيل الأهداف وفى سبيل الرسالة وفى سبيل المثل العليا. وكنا نعتقد فى هذا الوقت أنهم ضللوكم وأنهم خدعوكم، وكنا نقول: إن هذا الشعب له العذر.. له العذر، وإن هذا الشعب إذا لم يعطى ثقته للأفراد فله العذر؛ لأنه طالما أعطى الثقة فى الماضى لمن خانوها وأعطاهم الثقة مرة أخرى وخانوها مرة أخرى، فإذا كان هذا الشعب يتشكك ولا يستطيع أن يعطى ثقته لأى فرد، وإذا كان هذا الشعب يستطيع أن يخدع ويستطيع أن يتشكك فى الأفراد الذين يقومون بهذه الثورة، فليس لنا من حل وليس لنا من وسيلة إلا أن نخضع وإلا أن نعود لنجاهد مرة أخرى.

كنا نلاحظ - يا إخوانى - دائماً طوال السنين الماضية - فى العشرين شهر اللى مضوا - أنهم يحاولوا يشككوا الشعب فى قدراته، وكنت باسمع بودنى ناس بتقول: إنتم مصدقين إن دول أصحاب رسالة؟! إنتم مصدقين إن دول أصحاب أهداف؟! طب روحوا شوفوا بيت جمال عبد الناصر.. جمال عبد الناصر فارش بيته من عابدين!.. جمال عبد الناصر فارش بيته من عابدين! حاديكم مثل بسيط، يوم ماعييت قبل ما أعمل عملية الأعور، جالى الدكتور مظهر عاشور وأنا كنت راقد فى السرير، جالى الدكتور مظهر عاشور.. لأول مرة ييجى علشان يشوفنى، وبعد ما كشف على قعد وقال لى: استغفر الله، وبعدين قال لى: والله أنا عايز أقول لك قصة، أنا امبارح كنت قاعد مع عشرة.. ناس، وفيهم واحد بيحلف أيمان وأيمان انه جا وشاف بيتكم ووجده مفروش من عابدين. وأنا دلوقت، الصدف إنه كان امبارح قاعد فى الشلة دى، والصدف إنه الصبح جا عندى فى البيت علشان استدعيه أما جات حالة الأعور، وقال لى: أنا داخل طبعاً يعنى مش شايف حاجة من عابدين ولا من المنتزه ولا من هنا ولا من هنا!

دى الطريقة - يا إخوانى - اللى حاولوا يبثوها، واللى حاولوا يشككوكم. احنا كشعب كنا باستمرار ندى ثقتنا لناس، وبعد كده نلاقيهم استغلوا هذه الثقة يقولوا لنا: حنرفع مستواكم، وبعدين بعد سنة واتنين وتلاتة بنلاقيهم رفعوا مستوى أنفسهم ومستوى عائلاتهم.

الصورة دى ثابتة فى عقل كل فرد من أبناء هذا الوطن، ثابتة فى عقلى أنا كمان، فلما بييجى يقول لك: إن جمال عبد الناصر النهارده فارش بيته من عابدين، وأنت أما تقيس دا بالمقياس على الماضى.. على قصر المرج وعلى قصور الزمالك وعلى العمارات وعلى العزب، ماتستبعدش، تقول والله معقول، الجماعة دول قدامهم يقدروا يسلبوا ويقدروا ينهبوا، لازم عقولهم شاورتهم وكل واحد خبط له حاجة!

دى - يا إخوانى - الطريقة اللى استخدموها علشان يخدعوكم، علشان يضللوكم، علشان يستعبدوكم؛ لأنهم بعد ما يشككوكم ويستخدموكم أنتم كأداة فى أيديهم، حييجوا يتحكموا.. يتحكموا فيكم.

صلاح سالم قالوا عليه كلام.. صلاح سالم أنا أقرب الناس إليه، فى عز عملنا وفى عز أوقات المفاوضات.. صلاح سالم عنده ولد وتلات بنات، فى عز عملنا وفى عز شغلنا.. الوقت اللى كنا بنشتغل فيه طول النهار الواحد مابيروحش بيتهم. ابن صلاح سالم عيى، وكانوا فى البيت يطلبوا صلاح سالم يقولوا له: تعالى شوف إيه الحكاية، الولد عنده حرارة والدكاترة بيشوفوه، مافيش فايدة، وصلاح سالم برضه قاعد فى القيادة طول الوقت، لغاية ما ظهر ان ابنه عنده شلل أطفال، وأما الدكاترة شافوه قالوا: إن الولد لازم يسافر سويسرا علشان يخف، وإلا يبقى مافيش فايدة ويبقى الحالة ميئوس منها؛ علشان الولد يسافر سويسرا عايز فلوس، صلاح سالم ماعندوش فلوس. وبعدين صلاح سالم جالى وقال لى: إن الولد حيتكلف فى المستشفى حوالى ١٠٠ جنيه شهرياً، وأنا حتى بماهيتى اللى باخدها ما اقدرش أبعت ١٠٠ جنيه وأعالجه بـ١٠٠ جنيه. وبعدين قال: إنه عايز يعمل سلفية فى بنك مصر.. طلب سلفية من بنك مصر بألفين جنيه علشان يعالج بها الولد. وبعدين محمود شاكر يبقى خال زوجة صلاح سالم، فلما عرف ان صلاح سالم طالب سلفية من بنك مصر - محمود شاكر اللى هو كان مدير السكة الحديد - رفض وأقسم ان صلاح سالم مايخدش سلفية ولكنه ياخد السلفية منه هو بدل ما يروح ياخد السلفية من البنك، وحول له ألف جنيه على حسابه فى بنك مصر، صلاح سالم بيسدد منها شهرياً مبلغ معين.

وبعدين استطاع صلاح سالم بهذا انه يبعت ابنه سويسرا وانه يدفع له ١٠٠ جنيه شهرى تحت العلاج. بعد ابنه ما سافر سويسرا وكتب فى الجرايد ان ابنه سافر سويسرا، كل حتة تروح فيها، يقول لك: صلاح سالم سفر ابنه إلى سويسرا إزاى؟ بيصرف عليه منين؟! صلاح سالم سفر ابنه سويسرا على حساب الحكومة، بعته فى طيارة على حساب الحكومة، بياخد فلوس من الحكومة، بيبعتها لابنه كل شهر!

دى الطريقة اللى بيحاولوا انهم يهدموا بها الأفراد؛ علشان يهدموا بها الأهداف، وعلشان يقضوا بها على الرسالة، ويقضوا بها على المثل العليا. بيستخدموكم انتم، بيشككوكم انتم، بيخدعوكم، بييجوا يقولوا لكم هربوا فلوس؛ واحد جالى قال لى: بييجوا بيقولوا فى الجامعة جمال سالم، جمال عبد الناصر مهرب خمسة مليون جنيه! بالعقل بس أنا قعدت أدور إيه الطريقة اللى الواحد يقدر يعملها يهرب بها خمسة مليون جنيه؟ ما أعرفش!.. يعنى بالعقل حتى.. إيه الطريقة فى هذه البلد اللى الواحد ياخد بها خمسة مليون جنيه؟! ما أعرفش! مافيش طريقة.

وبعدين يقول لك فلوس الإصلاح الزراعى خبطوها.. السيد مرعى هنا وعارف فلوس الإصلاح الزراعى فين! الأموال المصادرة.. أنتم مصدقين إن فيه أموال مصادرة حتستخدم؟ دول وزعوها على بعض! رئيس ديوان المحاسبة أحمد إبراهيم استقال، انت عارف استقال ليه؟! لأن أما جا يحاسبهم على الفلوس اللى أخدوها وهربوا شتموه! وقالوا له: امشى ما تقعدش! وعنده وثائق.. وثائق مكتوبة بهذا! الناس بتاخد هذا الكلام - يا إخوانى - وبتحكيه، واحنا يعنى بنحب نحكى كتير، نص الناس بتصدق ونصها بتبقى مبلبلة مش عارفة تصدق ولا ماتصدقش، وأهى بتعمل رواسب فى النفس ورواسب فى العقل.

دا - يا إخوانى - السلاح.. السلاح السرى اللى بيستخدموه ضد هذه الثورة وضد أهداف هذه الثورة، مش ضدنا احنا. جمال عبد الناصر عايز إيه؟! جمال عبد الناصر قام بدور فى هذا الوطن لرسالة من أجلكم أنتم، ومن أجل مصالحكم أنتم، ومن أجل أهدافكم، ومن أجل حريتكم وحرية أولادكم، من أجل لقمة العيش اللى انتم بتاخدوها، ولقمة العيش اللى يجب أن يتمتع بها أبناءكم من بعدكم فى حياة أعز وحياة أكرم.

يقدروا يهدموا جمال عبد الناصر ويشككوا فى جمال عبد الناصر، ولكن هل حيقدروا يهدموا هذه الأهداف؟! هل حيقدروا يهدموا المثل العليا؟! مش حيقدروا إنهم يقضوا على الأهداف، أو يقضوا على المثل العليا. ولن تستطيع الرجعية ولن تستطيع الحزبية البغيضة ولن تستطيع الأحزاب الكريهة أن تحقق أغراضها إلا بواسطتكم انتم.. بكم انتم يوم ما يضحكوا عليكم.. يضحكوا على عقولكم ويخدعوكم ويضللوكم ويغرروا بكم، عند هذا تنتكس هذه الثورة، وحتقدر تعود الوجوه مرة أخرى.. عند هذا فقط.

ولهذا - يا إخوانى - يجب أن نتبصر ويجب أن نتعقل، ويجب أن نثق ونعطى ثقتنا لبعضنا البعض، كل واحد يجب أن يثق فى أخوه، كل واحد يجب أن يثق فى الثانى، عهد التشكك وعهد السلب وعهد النهب انتهى، لازم نفكر بعقلية جديدة، لازم هذه العقلية الجديدة نفكر بها من صالحنا احنا.. من أجل صالح الفرد ومن أجل صالح أولاده. ولازم الأساليب القديمة دى لا تنطلى علينا.. ما تنطليش، حييجى يقول لك: احنا النهارده فيه عسكريين وفيه مدنيين، ازاى نقعد تحت الحكم العسكرى، وازاى تتحكم فينا الديكتاتورية العسكرية؟ كلام جميل وكلام براق! احنا ما قمناش من أجل الديكتاتورية مطلقاً يا إخوانى، ولكنا قمنا من أجل الحرية.. والحرية الكاملة، وإذا كنا حددنا فترة انتقال؛ مش زى الثورات اللى قامت دبحت.. كل الثورات كانت بتقوم تقضى على هذه الطبقات.. بتقطع الرقاب، احنا قمنا قلنا مش حنقطع رقاب ولكنا نهدى النفوس ونهدى القلوب.

طبعاً احنا مش حنقدر نهدى لأن الهادى هو الله، ولكن هل هذه النفوس ستهتدى؟! هل ستشعر بمسئوليتها؟! هل ستشعر بمسئوليتها تجاه الوطن وتجاه المواطنين؟! هذه الثورة قامت من أجلكم وتعمل لكم ماقامتش من أجل الديكتاتورية، ولا من أجل الحكم العسكرى، ولا من أجل حكم الجيش، وليس الحكم العسكرى إلا وسيلة لغاية؛ هذه الغاية هى الديمقراطية الكاملة، ليست ديمقراطية الأحزاب؛ لأن ديمقراطية الأحزاب ليست إلا الديكتاتورية المقنعة تحت اسم الديمقراطية، وليست إلا السلب وليست إلا النهب. ومعنى هذا يا إخوانى... مش معنى هذا إن مش حتقوم أحزاب، ولكن معنى هذا ان البلد ستباشر حريتها كاملة وستباشر حقوقها كاملة بعد أن نتطهر من الحزبية البغيضة ونبدأ عهداً جديداً ديمقراطياً سليماً.

ما باقولش ديمقراطية كاملة وما باقولش الكمال، ولكن نبدأ على أسس سليمة.. ما نبدأش على أشخاص، نبدأ على أهداف، يجتمع الناس على أهداف مش من أجل ذواتهم ولا من أجل أشخاصهم، من أجلكم انتم، من أجل المواطنين جميعاً.

هذا هو الطريق الذى سنسير فيه، ولهذا إذا استطعنا فى الفترة القادمة حتى نهاية فترة الانتقال أن نتحكم فى عقولنا وأن نتحكم فى نفوسنا، وألا نكون ألعوبة فى أيدى الرجعية، وفى أيدى الأحزاب تخدعنا وتضلل بنا وتغرر بنا، إذا استطعنا أن نتماسك، وإذا استطعنا أن نثق، إذا استطعنا - يا إخوانى - أن نصبر هذه الفترة القصيرة بدون أن يتطرق الشك إلى النفوس، وبدون أن يتطرق الشك إلى القلوب، إذا استطعنا أن نتعاون، وإذا استطعنا أن نخلص نفوسنا من الحقد ومن البغضاء ومن الكراهية، وإذا استطعنا أن نسير متعاونين تجمع بيننا الأهداف وتجمع بيننا المثل العليا وتجمع بيننا المحبة، وننظر إلى الأمام وننظر إلى المستقبل، وننظر إلى الماضى البغيض وننظر إلى الحياة التى كنا نحياها وننظر إلى الحياة التى استعبدنا فيها، وننظر إلى أبنائنا ونرجو أن نحقق لهم فى المستقبل حياة أعز وحياة أكرم.

إذا استطعنا أن نتماسك هذه الفترة القصيرة، وإذا استطعنا أن نتكاتف هذه الفترة القصيرة؛ فإننا - بإذن الله - نكون قد استطعنا أن نبدأ بعد أن نضع الأساس للحياة الحرة وللحياة الديمقراطية، ونكون قد استطعنا أن نبدأ حياة ديمقراطية كاملة يتحكم فيها الفرد لا تتحكم فيها القلة، يتحكم فيها الشعب لا يتحكم فيها أفراد، ونستطيع أن نبدأ حياة ديمقراطية تعبر عنكم وتعبر عن آرائكم أنتم وتعبر عن آمالكم أنتم، ولا تعبر عن آراء أقلية قليلة مستغلة، لا تعبر عن الإقطاع، ولا تعبر عن الاستغلال ولكنها تعبر عن الفرد وعن آمال الفرد، ولكنها تعبر عن إرادة الشعب ممثلاً فيكم أنتم أيها المواطنون، أيها الفلاحون، وأيها العمال، وأيها الموظفون، وأيتها الطبقة الكادحة التى لم تستطيع فى الماضى أن تحقق لنفسها حرية، والتى لم تستطع فى الماضى أن تتخلص من الظلم وأن تتخلص من الاستعباد وأن تتخلص من الفساد وأن تتخلص من الظلم الاجتماعى، والتى لم تتمكن أن تحقق أهدافها فى التخلص من الاستعمار؛ لأن الأحزاب كانت عوناً للاستعمار دائماً؛ ولأن الأحزاب كانت تعمل على الفرقة دائماً.

إذا استطعنا - يا إخوانى - أن نسير هذه الفترة الصغيرة متحدين متكاتفين؛ فإننا سنكون قد تخلصنا من الظلم السياسى، ونكون قد تخلصنا من الظلم الاجتماعى، ونكون قد تخلصنا من الاستبداد الذى حاق على رقابنا سنيناً طوال، وبهذا - يا إخوانى- نستطيع أن نتخلص من الاستعمار.

والسلام عليكم ورحمة الله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كلمة الرئيس جمال عبد الناصر فى توزيع الأراضى بالفاروقية

بتاريخ الثالث عشر من مارس العام ١٩٥٤م.