أشعر اليوم وأنا أقف بينكم فى هذا المعهد أن مصر تمر بنقطة تحول فى تاريخها الحديث
أيها الجنود:
أشعر اليوم وأنا أقف بينكم فى هذا المعهد أن مصر تمر بنقطة تحول فى تاريخها الحديث. لقد كنا دائماً نقف بين أرجاء هذا المعهد ونشعر أن مصر غنية بالرجال، وكنا دائماً نشعر أن مصر لا تنقصها الشجاعة، ولا تنقصها التضحية، ولا ينقصها الإيمان.
كنا دائماً نشعر بهذا الشعور ونحس بهذا الإحساس، ولكنا كنا نحس أيضاً بمرارة عميقة فى نفوسنا، وكنا نحس أيضاً بحسرة عميقة فى قلوبنا. وكانت هذه الحسرة وهذه المرارة هى نتيجة حاجتنا إلى السلاح. ولم تكن هذه الحاجة عن فقر، ولم تكن هذه الحاجة عن ضعف أو قلة فى العمل، ولكن هذه الحاجة كانت نتيجة التحكم، وكانت نتيجة السيطرة.
ونحن اليوم - يا إخوانى - وأنا أقف بينكم أشعر أن مصر التى كانت تحس بالمرارة، وأن مصر التى كانت تحس بالحسرة، أشعر أن مصر تحس اليوم أنها تستطيع أن تستعوض ما فاتها، أشعر أيضاً أن مصر تستطيع اليوم أن تكون غنية برجالها، غنية بإيمانها، غنية بتضحياتها، غنية أيضاً بسلاحها.
هذه - يا إخوانى - هى نقطة التحول التى نمر بها الآن.
لقد عملنا كل ما فى وسعنا أن نكمل هذه الرجولة، وأن نكمل هذه التضحية، وأن نكمل هذا الإيمان بالسلاح، فطلبنا السلاح من كل مكان. طلبنا من الموردين التقليديين الذين تعودوا أن يتعاملوا معنا وتعودنا فى الماضى أن نتعامل معهم، طالبناهم بالسلاح، ولكننا - يا إخوانى - لم نتمكن أبداً أن نشعر أن ما يصل إلينا يمكننا من أن نحقق الدفاع الحقيقى عن وطننا، شعرنا أيضاً أن ما يصل إلينا من هذا السلاح لا يتناسب أبداً مع ما يصل إلى عدونا.
واليوم - يا إخوانى - نسمع جميعاً الضجة الكبرى، نسمع جميعاً هذه الضجة، بل نسمع جميعاً هذه الخدعة؛ الخدعة التى ينادون بها فى جميع أنحاء العالم عن التوازن، وعن السلام. وأنا أعلم - كما أنكم أيضاً تعلمون - أن هذه الخدعة ليست إلا أسباباً يقولونها من أجل التحكم ومن أجل السيطرة. فهم لا يعنون أبداً موازين القوى، ولا يعنون أبداً أن يتكلموا عن السلام، ولكنهم يريدون أن يقولوا، ولا يستطيعوا أن يقولوا: إنهم يريدوننا أن نكون تحت سيطرتهم، إنهم يريدوننا أن نكون تحت نفوذهم. وهم يعلمون أننا بدون السلاح سنكون تحت سيطرتهم، وبدون السلاح سنكون تحت نفوذهم، وهم يعلمون أننا إذا استطعنا أن نجد السلاح بحرية من أى مكان فى العالم سيكون هذا هو التحرير، سيكون هذا هو الحرية الحقيقية.
وأنا أقول لكم إننا اليوم بعد أن استطعنا أن نجد السلاح بدون شرط وبدون قيد، فإننا نستكمل حريتنا الحقيقية، وإننا بهذا - يا إخوانى - قضينا على التحكم، وقضينا على النفوذ الأجنبى، فلن يكون هناك نفوذ إلا نفوذ مصر فى داخل مصر، ولن يكون هناك فى داخل مصر نفوذ إلا لأبناء مصر.
لقد قضينا إلى الأبد.. لقد قضينا إلى غير رجعة على النفوذ الأجنبى وعلى التحكم، أما أسطورة ميزان القوى، وأما أسطورة السلام فلها قصة غريبة، لها قصة طويلة، لها قصة مريرة، إنها خدعة كبرى يريدون أن يموهوا بها على الرأى العام العالمى.
وإنى أحب اليوم أن أعلن باسم مصر للرأى العام العالمى حقيقة هذا القول؛ حقيقة هذه الخدعة الكبرى.. لقد كانت - يا إخوانى - حادثة ٢٨ فبراير؛ الاعتداء اليهودى المدبر الذى وصفه مجلس الأمن بأنه اعتداء مدبر وحشى على جنود آمنين مطمئنين، لقد كان هذا الاعتداء نقطة تحول أيضاً، لقد كان هذا الاعتداء الذى دبره "بن جوريون"، والذى شكر" بن جوريون" من أجل تنفيذه رجال من الجيش اللإسرائيلى، الذى شكر "بن جوريون" أفراداً من الجيش الإسرائيلى من أجل تنفيذ هذا الاعتداء المدبر الوحشى، لقد كان هذا الاعتداء هو ناقوس الخطر.
وإنا نحمد الله.. نحمد الله على هذه المصيبة التى حلت بنا، فإنها تمكننا من أن نستطيع أن نتلافى مصائب أكبر. لقد كان هذا ناقوس الخطر، ومنذ هذا اليوم بدأنا نتنبه، ومنذ هذا اليوم بدأنا نبحث، ومنذ هذا اليوم بدأنا ندقق فى السلام وفى معنى السلام، وبدأنا ندقق فى معنى توازن القوى فى هذه المنطقة، فماذا وجدنا أيها الإخوان؟ لقد وجدنا أن هناك تحيزاً لعدوكم؛ تحيزاً لإسرائيل. وإننا استطعنا أن نحصل على معلومات أكيدة تثبت أن من يقولون إنهم يريدون فى هذه المنطقة توازناً فى القوى ويريدون فى هذه المنطقة السلام، يعملون على منع السلاح عنا، ويعملون فى نفس الوقت على تموين إسرائيل بالسلاح.
وقد استطاعت المخابرات المصرية أن تحصل على وثيقة رسمية فرنسية تقول إن أمريكا وإن إنجلترا...(١). تقول هذه الوثيقة الفرنسية: إن أهم معدات القوات العسكرية الإسرائيلية الثقيلة مصدرها أمريكى - بريطانى، وها هى على سبيل المثال بعض المعدات التى حصلت عليها إسرائيل من بريطانيا، ٢٠ طائرة "متيور" ٥٠ طائرة "موستانج" ٢٠ طائرة "موسكيتو" ٧ طائرات نقل، ١٠٠ عربة مصفحة "شيرمان" ١٥ عربة مصفحة "تشرشل" ١٠٠عربة "ساجهاون" ٧٠ مدفع ميدان.
وقالت أيضاً هذه الوثيقة الرسمية الفرنسية: إن هناك صفقات تعقد بين بريطانيا وبين إسرائيل لبيعها طائرات "متيور"، ودبابات من طراز "سيروتوريون". وقالت أيضاً: إن أمريكا سلمت من جانبها إلى إسرائيل ١٢ طائرة "بى. تى.١٧".
هذا هو ما حوته الوثيقة الفرنسية، وهى طبعاً لم تحو ما سلمته فرنسا نفسها إلى إسرائيل، فقد قرأنا فى الأسبوع الماضى فى إحدى جرائد إسرائيل - جريدة "دافر" على وجه التحديد - أن فرنسا قد تعاقدت مع إسرائيل على أن تسلمها ١٠٠ دبابة "إم. إكس ١٥"، وتعاقدت أيضاً على أن تسلمها عدد من طائرات "الماستير".
هذا - يا إخوانى - هو التوازن كما يفهمونه، هذا - يا إخوانى - هو السلام كما يفهمونه؛ التوازن هو أن تسلح إسرائيل ويمنع السلاح عن مصر وعن العرب، التوازن هو أن تقول صحفهم إن جيش إسرائيل يستطيع أن يهزم الجيوش العربية مجتمعة، التوازن هو أن تقول صحفهم: سواء فى أمريكا أو سواء فى إنجلترا إن إسرائيل تستطيع أن تحشد فى الميدان ٢٥٠ ألف جندى، أكثر مما تستطيع الجيوش العربية جميعها أن تحشد، التوازن هو أن تقول صحف أمريكا وهى تشعر بهذا بالافتخار وبالزهو، وتقول صحف إنجلترا وهى تشعر أيضاً بالافتخار: إن جيش إسرائيل عنده الكثير من العدد، وعنده الكثير من العتاد، وعنده الكثير من السلاح.
هذا هو التوازن الذى يموهون علينا به اليوم. هذه - يا إخوانى - هى الخدعة الكبرى التى يحاولون اليوم أن يخدعوا الرأى العام العالمى بها. وإنى أريد أن أقول لكم إن هذا لن ينطلى علينا أبداً. لقد سلحوا إسرائيل ومنعوا عنا السلاح، لماذا؟ لأنهم يريدون أن يرونا ضعفاء مستضعفين تحت رحمتهم، نريد منهم دائماً أن ينجدونا وأن يدافعوا عنا، نريد منهم دائماً أن يجعلونا تحت حمايتهم وتحت حماية تصريحهم الثلاثى.
وقد استطعنا - يا إخوانى - أيضاً.. استطاعت المخابرات المصرية أن تحصل على وثيقة خارجة من وزارة الحرب البريطانية؛ وهى عبارة عن تقرير مخابرات فى شهر مايو. هذه الوثيقة تقول بعد الكلام عن الحوادث التى حصلت على الحدود بين مصر وإسرائيل.. قالت هذه الوثيقة البريطانية التى أصدرتها وزارة الحرب البريطانية؛ الوثيقة السرية: إنه من المنتظر أن تعمل الحكومة المصرية من جانبها لتجنب الحرب مع إسرائيل، فإن جميع الظواهر تدل على أنه ليست لمصر أى نوايا للعدوان. ثم اسمعوا ماذا قالت بعد ذلك عن إسرائيل.. قال هذا التقرير: وإنا لقليلوا الثقة فى أن الحكومة الإسرائيلية سوف تنتهج سياسة سلمية.
هذا ما قاله تقرير المخابرات الذى صدر فى شهر مايو عن وزارة الحرب البريطانية، وتوجد صورة هذا التقرير فى مكتبى، ومستعد أن أريها لسفير بريطانيا فى مصر.
ثم قال أيضاً هذا التقرير: وقد كانت إسرائيل فعلاً على وشك العدوان على الجبهة المصرية، لولا أنها علمت أن الأوامر قد صدرت أيضاً إلى الجيش السورى؛ بأن يكون مستعداً للهجوم على إسرائيل فى الحال إذا قامت القوات الإسرائيلية بالهجوم على مصر.
هذا التقرير.. هذا هو تقرير المخابرات البريطانى الذى صدر فى شهر مايو؛ كانت بريطانيا تعلم أن مصر ليست لها أى نوايا عدوانية، وكانت بريطانيا تعلم أيضاً أن إسرائيل لن تستطيع أو لن تحافظ على السلام.
وطالبنا بالسلاح بعد مايو، فماذا كانت النتيجة؟ استمرار فى التحكم، واستمرار فى السيطرة، واستمرار فى فرض الشروط.
هذه - يا إخوانى - هى الخدعة الكبرى التى ينادون بها الآن فى جميع أنحاء العالم، وهذه - يا إخوانى - هى الضجة الكبرى التى يفتعلونها الآن فى جميع أنحاء العالم، هذه - يا إخوانى - هى أسطورة السلام فى الشرق الأوسط، وهذه - يا إخوانى - هى أسطورة توازن القوى.
إن هذا لا يعنى إلا شيئاً واحداً نفهمه نحن فى مصر، ويفهمه العرب أجمعون: إنهم يريدوننا أن نكون ضعفاء، أن نكون مستضعفين، وقد كنا نشعر فى الماضى أننا أغنياء بالرجال، أغنياء بالتضحية، أغنياء بالنفوس، أغنياء بالإيمان، ولكنا كنا نشعر بالضعف فى السلاح.
وأنا أقول لكم اليوم، بل أنا أحس معكم اليوم - يا إخوانى - أننا أغنياء بالرجال، أغنياء بالإيمان، أغنياء بالتضحية، أغنياء أيضاً بالسلاح.
وبهذا ستسير مصر قدماً إلى الأمام فى خطتها، لا ضعف ولا استضعاف، تصميم وعزم حتى نسلح جيش مصر، وحتى نتمكن جميعاً من أن ندافع عن حدود مصر، وحتى نرد العدوان بالعدوان، وحتى لا نسمح بالعدوان. والله يوفقكم جميعاً.
والسلام عليكم ورحمة الله.
(١) تعليق من المذيع: "طلب السيد الرئيس جمال عبد الناصر وثيقة من سكرتيره الخاص، وها هو ذا سيادته يقرأ منها".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلمة الرئيس جمال عبد الناصر في حفل تخريج دفعة جديدة من ضباط الكلية الحربية عام ١٩٥٥م