تصريح الرئيس جمال عبد الناصر إلى الأهرام عن المشكلة التى أثارتها إسرائيل حول الملاحة فى قناة السويس (حادث الباخرة الدانمركية "انجة توفت") عام ١٩٥٩

تصريح الرئيس جمال عبد الناصر إلى الأهرام عن المشكلة التى أثارتها إسرائيل حول الملاحة فى قناة السويس (حادث الباخرة الدانمركية "انجة توفت") عام ١٩٥٩

إن حادث الباخرة الدانمركية "انجه توفت" التى لا تزال حتى هذه الساعات راسية فى ميناء بورسعيد، بعد محاولة فاشلة لعبور قناة السويس؛ لا ينبغى أن ينظر إليه باعتباره حادثاً عابراً، أو مشكلة دولية عادية وطارئة!

إنما هذا الحادث، هو فى حقيقة أمره حلقة جديدة فى سلسة طويلة من الأعمال العدوانية تستهدف اغتيال شعب فلسطين، والاستيلاء على أرضه، واغتصاب حقوقه؛ تمهيداً لتصفية وجوده تماماً، ثم اتخاذ فلسطين ذاتها بعد ذلك قاعدة لعمليات مماثلة مع شعوب عربية أخرى، حتى تحقق الصهيونية العالمية حلمها الكبير، امتداداً من النيل إلى الفرات.

سلسلة طويلة تبدأ فى عصرنا الحديث بمجموعة من الأحلام وضعها "هرتزل" مؤسس الحركة الصهيونية، ثم تتحول هذه الأحلام بفضل الاستعمار إلى وعود حصل عليها "وايزمان"، أبرزها وعد "بلفور" المشهور، ثم تصل السلسلة إلى الحلقات التى مازلنا نعيش فيها، حين تحولت الأحلام إلى وعود، ثم تحولت الوعود إلى مؤامرات وخيانات، وصلت إلى ذروتها فى كارثة سنة ١٩٤٨، حين استطاع الاستعمار والصهيونية، بالتعاون مع الرجعية العربية، أن يوجهوا ضربتهم الكبرى إلى أمانى الأمة العربية، وإلى أمنها، وإلى حقها فى مستقبلها.

ثم استمرت السلسلة بعد ذلك متصلة الحلقات، ولم يكن حلف بغداد - بالطريقة التى تم بها، والمقاصد التى سعى إليها - غير حلقة فى هذه السلسلة؛ فلقد كان الدفاع الحقيقى عن الشرق الأوسط ضد كل عدوان أن تتولاه الدول العربية نفسها دفاعاً عن بلادها، ولكن الذين كانوا يتحدثون عن الدفاع عن الشرق الأوسط كان يخيفهم أكثر ما يخيفهم أن تجتمع الجيوش العربية تحت راية واحدة؛ لأن ذلك يعرض إسرائيل للخطر العظيم.

كذلك كان هدف حلف بغداد تحويل أنظار الشعوب العربية عن خطر محقق فى قلب وطنها، إلى خطر لم يتحقق قادم من الشمال البعيد، كذلك لم يكن احتكار السلاح، ومنعه عن الجيوش العربية الوطنية، وتسهيل الحصول عليه لجيش إسرائيل؛ غير حلقة فى السلسلة. وهكذا أيضاً كان العدوان الثلاثى على مصر سنة ١٩٥٦.

وكان "بن جوريون"، الذى خلف "هرتزل" و"وايزمان"، يريد أن يفرض السلام كما يدعى، والحقيقة أنه كان يريد أن يفرض الاستسلام، ويصفى قضية فلسطين إلى الأبد، ويوجه إلى القومية العربية - بالتعاون مع الاستعمار - ضربة لا تقوى بعدها على الصمود للمؤامرة الكبرى، لا على فلسطين وحدها؛ وإنما على العالم العربى كله.

وكذلك حادث الباخرة "انجه توفت"، تدبير وليس صدفة. والحقيقة أن عملية الباخرة "انجه توفت" ليست حادثاً، إنما هى خطة كبيرة واسعة المدى متشعبة الاتجاهات. إن من سمات الحادث أن يقع صدفة، ولكن حادث "انجه توفت" - سواء فى ذلك رحلتها إلى بورسعيد، أو احتجازها فى بورسعيد - لم يكن صدفة، وإنما كان تدبيراً. وهنا الفارق الواضح بين الحادث وبين الخطة أو المؤامرة بمعنى أدق.

لقد أرسلت إسرائيل هذه الباخرة فى رحلتها إلى بورسعيد وهى تعرف ما تفعله، بل وكانت إسرائيل أيضاً تعرف ما سوف نفعله نحن، وكانت واثقة أن سلطات الجمهورية العربية المتحدة لن تسمح لها بعبور قناة السويس. ولقد كنا نحن أيضاً نعرف ما تفعله إسرائيل، وكذلك كنا نعرف ما سوف نفعله نحن، فإن الواقع أن سياستنا الثابتة منذ سنة ١٩٤٨ ليس فيها سر يخفى على أحد.

وإذن فإن عملية الباخرة "انجه توفت" لم تكن حادثاً وقع بالصدفة، وإنما كانت خطة.. خطة واسعة المدى، ومؤامرة متشعبة الاتجاهات، تريد إسرائيل من ورائها أن تحقق بعضاً من أهدافها، على نفس السياسة الانتهازية التى طبعت الخطوط العريضة منذ نشـأة الفكرة الصهيونية حتى اليوم، تلك السياسة التى تكاد تشبه تصرفات نشال ينتهز زحاماً يتسلل إليه عله يخطف شيئاً ويمشى.

وأول أهداف إسرائيل فى هذه الخطة والمؤامرة؛ هو تصفية بقايا قضية فلسطين، وما من شك فى أن حرمان بواخر إسرائيل من المرور فى قناة السويس ما يزال إحدى الأوراق الباقية لشعب فلسطين. وإسرائيل تريد - فضلاً عما تجنيه من فوائد مباشرة من استعمال قناة السويس - حرمان شعب فلسطين من إحدى الأوراق التى مازالت باقية فى يده. وتكون تلك - بصرف النظر عن المزايا الذاتية - خطوة جديدة فى طريق التصفية النهائية للمسألة الفلسطينية.

وتتصور إسرائيل أن الظرف الحالى يتناسب دولياً مع مطامعها، لماذا؟.. إنها تتصور أن علاقات الجمهورية العربية المتحدة مع الاتحاد السوفيتى تجتاز الآن مرحلة فتور، بعد الأزمة التى سادت هذه العلاقات فى الشهور الثلاثة الأولى من هذا العام. كذلك هى ترى أن علاقات الجمهورية العربية المتحدة بالدول الغربية لا يمكن أن توصف - بحال من الأحوال - بأنها علاقة الود والصداقة.

ولقد سبق لإسرائيل أن عرضت مشكلة منع بواخرها من المرور فى قناة السويس مرتين: مرة فى عام ١٩٥١، ويومها أصدر مجلس الأمن توصية إلى مصر بأن تسمح بمرور البواخر الإسرائيلية. ومرة فى عام ١٩٥٤، ويومها كان مجلس الأمن على وشك اتخاذ قرار ضد مصر، إلا أن الاتحاد السوفيتى استعمل حق الفيتو ولم يصدر القرار.

وتتصور إسرائيل أن الموضوع لو أعيد عرضه على مجلس الأمن من جديد، ثم عرض عليه مشروع قرار ضد الجمهورية العربية المتحدة؛ فإن الدول الكبرى فى معسكر الغرب، سوف توافق بطبيعة الحال عليه. كذلك فإن الاتحاد السوفيتى فى ظروف الفتور بينه وبين الجمهورية العربية - هكذا تتصور إسرائيل - لن يستعمل حق الفيتو، وقصارى ما يمكن أن يمنعه - ستراً للمظاهر - هو أن يمتنع عن التصويت، ولكن القرار يصدر عن مجلس الأمن ثم تكون الجمهورية العربية المتحدة أمام الأمر الواقع، تسمح لبواخر إسرائيل أن تمر فى قناة السويس، وإلا فهى تتحدى مجلس الأمن والأمم المتحدة، والرأى العام العالمى!

هذا هو الهدف الأول!

والهدف الثانى للخطة الإسرائيلية أو المؤامرة هو دفع الجمهورية العربية المتحدة إلى عزلة سياسية عن الدول الكبرى. والدول الكبرى فى عالمنا - إذا أخذنا القياس من تكوين مجلس الأمن - هى الدول الخمس التى تملك المقاعد الدائمة فيه، وتملك حق الاعتراض؛ هى: الاتحاد السوفيتى، والولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، والصين.

وفيما يتعلق بالثلاث الأخيرة منها، فإن العزلة بيننا وبينها أمر واقع بالفعل؛ بريطانيا: لا علاقات بيننا منذ العدوان، كذلك فرنسا، والصين التى تجلس فى المقعد الدائم فى مجلس الأمن ليست هى الصين التى نعترف بها!

يبقى الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة الأمريكية: وفيما يتعلق بالاتحاد السوفيتى؛ فإن خطة إسرائيل - فى محاولتها دفع عملية "انجه توفت" إلى ذروة الأزمة - واضحة، ولقد شرحت بالفعل طرفاً منها. أما فيما يتعلق بالولايات المتحدة الأمريكية فإن الأمر أكثر وضوحاً؛ ذلك أنه إذا ما عرضت المشكلة على مجلس الأمن، فإن تقدير إسرائيل أن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تصوت بالطبع إلى جانبها، تحت تأثير ضغط المنظمات الصهيونية، وتحت تأثير اعتبارات أخرى شتى.

وإذا كانت المشاكل قد خفت حدتها بعض الشىء فى العلاقات السياسية بين الجمهورية العربية المتحدة وبين الولايات المتحدة الأمريكية - بعد أن انتهت المعركة التى دامت أربع سنوات بسبب حلف بغداد - فإن تصويت أمريكا لصالح إسرائيل خليق بأن يحدث مشاكل جديدة فى علاقاتها مع العرب.

ثم إن التطورات بعد ذلك، فيما لو اتخذ مجلس الأمن قراراً ضد الجمهورية العربية المتحدة، يمكن أن تؤدى إلى مضاعفات جديدة. فى تلك الحالة يمكن أن تتأثر علاقاتنا بالمنظمات الدولية، وفى مقدمتها مثلاً الأمم المتحدة، وسياستنا تقوم على أساس من الرغبة الصادقة فى تدعيم هيبتها باعتبارها المكان الوحيد الذى تستطيع فيه الدول الصغرى أن تدافع عن نفسها سياسياً ضد المطامع الدولية، ومن بينها مثلاً البنك الدولى للإنشاء والتعمير، وقد كان الحديث بين ممثليه وممثلينا يدور أخيراً فى احتمالات عقد قرض معه للجمهورية العربية لصالح مشروعات توسيع قناة السويس.

ثم يجىء الهدف الثالث لإسرائيل من وراء الخطة فى "انجه توفت" أو المؤامرة، وإذا كان هذا هو الهدف الثالث فى الترتيب فقد لا يكون ذلك هو وضعه من ناحية الأهمية.

ذلك الهدف هو التسلل الإسرائيلى فى إفريقيا وآسيا. ولقد كان رفض تمثيل إسرائيل فى مؤتمر الدول الإفريقية - الآسيوية فى باندونج؛ هو بمثابة حجر صحى عزلها بعيداً عن إفريقيا وآسيا. ولكن إسرائيل بعد أن أفاقت من صدمة الحجر الصحى الذى عزلت فيه خلال باندونج، لم تضيع فرصة للعمل.

ولقد وضعت إسرائيل خطة دقيقة .. خطة ذات ناحيتين:

الناحية الأولى منها: هى محاولة التسلل إلى إفريقيا وآسيا.
الناحية الثانية منها: هى محاولة الوقيعة بين العرب وبين دول إفريقيا وآسيا ذاتها؛ بقصد تفتيت التضامن الإفريقى - الآسيوى.

وفى الناحية الأولى، ينبغى علينا أن نسلم أن إسرائيل تركز جهوداً كثيرة فى محاولة التسلل إلى إفريقيا وآسيا، بل إن إسرائيل لم تكتف بأن تركز الجهود عملاً لنفسها، وإنما راحت تعمل لحساب الاستعمار أيضاً، والدليل أنها عقدت أخيراً اتفاقاً مع بعض الدول فى إفريقيا وآسيا قدمت لها بمقتضاها قروضاً تصل إلى ملايين الدولارات، وإذا تذكر المرء أن إسرائيل ذاتها لا تعيش إلا على الإعانات؛ فإن النتيجة التى يصل إليها بعد ذلك هى أن الأموال التى تقدمها إسرائيل لغيرها ليست بالقطع من أموالها، فإن الرجل الذى يحترف التسول لا يستطيع الإسراف فى تقديم الهدايا إلى الناس!

وما من شك أن قوى كثيرة تتمنى لإسرائيل أن تنجح فى جهودها لمجرد خلق هوة فى العلاقات الإفريقية والآسيوية، وتفتيت التضامن الذى أثبت فعاليته وتأثيره بين الشعوب العربية وباقى شعوب آسيا وإفريقيا. ولكن أى نجاح تحققه إسرائيل فى التسلل إلى إفريقيا وآسيا هو فى الواقع نجاح مؤقت، ذلك أن شعوب إفريقيا وآسيا ترى الحقيقة من تحت الأصباغ البراقة، وهى تدرك يوماً بعد يوم أن إسرائيل ليست إلا رأس جسر للاستعمار.

بصرف النظر عن حقوق شعب فلسطين، وبصرف النظر عن معنى العدوان الثلاثى على مصر، فلقد كان موقف إسرائيل معبراً عن نفسه فى جميع القضايا الإفريقية والآسيوية؛ لقد صوتت إسرائيل فى الأمم المتحدة ضد استقلال تونس سنة ١٩٥٢، وصوتت إسرائيل فى الأمم المتحدة ضد استقلال المغرب سنة ١٩٥٣ وسنة ١٩٥٤، وصوتت إسرائيل فى الأمم المتحدة ضد استقلال الجزائر خلال ثلاث سنوات متعاقبة هى ١٩٥٦ و١٩٥٧ و١٩٥٨، وصوتت إسرائيل سنة ١٩٥٩ ضد إجراء انتخابات حرة فى الكاميرون الفرنسى. موقف إسرائيل من كل قضايا الحرية والاستقلال حتى خارج إفريقيا وآسيا معروف، وآخرها موقفها من استقلال قبرص.

أما الناحية الثانية من خطة إسرائيل فى إفريقيا وآسيا، وهى محاولة الوقيعة بين شعوب هاتين القارتين، وبين الشعوب العربية؛ فإن إسرائيل مازالت تحاول ذلك حتى الآن جاهدة.

والغريب أن كل البواخر الإسرائيلية التى حاولت عبور قناة السويس أخيراً كانت تحمل بضائع لدول صديقة، وكانت مصادرتنا لهذه البضائع خليقة بأن تثير المشاكل بين هذه البلاد وبيننا؛ أسمنت لسيلان، رخام لليابان، بوتاس للفلبين... وهكذا، كلها دول إفريقية أو آسيوية، والقصد واضح والهدف ظاهر. هذا فضلاً عن استئجار البواخر لحمل هذه البضائع من دول صغيرة صديقة: الدانمرك، النرويج، وغيرهما.

وفضلاً عن هذه العوامل كلها، فإن هناك عاملاً أساسياً، يفرض على إسرائيل فى تصورنا أن تتحرك بسرعة، ذلك هو عامل الوقت. إن إسرائيل لابد أن تتحرك الآن لسببين:
١ - قبل أن ينقشع الضباب من فوق العالم العربى.
٢ - قبل أن تدور العجلة فى مشروعات التنمية الاقتصادية والاجتماعية فى الجمهورية العربية المتحدة.

وفيما يتعلق بالسبب الأول: فإن إسرائيل أول من يدرك حقيقة التطور التاريخى العظيم لفكرة القومية العربية. والواضح فى نظرتنا للأمور أن بقايا الضباب فوق العالم العربى الآن هى نهاية الظلام الطويل فيه. وبصرف النظر عما يبدو الآن من مظاهر الخلاف؛ فإن الشعوب العربية لم تكن فى واقع أمرها أقرب إلى بعضها مما هى الآن.

ولقد كان المعنى الحقيقى لثورة ١٤ يوليو فى العراق؛ أن الشعب العراقى قد تحرك وأنه كسر الجمود الطويل الذى كانت القوى الرجعية المتعاونة مع الاستعمار فيه تريد فرضه عليه، ولئن جرت المحاولات بعد ذلك لعزل شعب العراق عن القضية العربية، فإن عمر أى محاولة منها لن يزيد عن أن يكون عمر مناورة موقوتة مهما بدا من طول مداه. إن الحقيقة الكبرى أن الحركة حلت محل الجمود، وليس يخالجنى شك فى أنه مادامت الحركة قد بدأت؛ فإن اللقاء بين الشعوب العربية محتم مهما كانت المطامع المحلية.

والمنطقة العربية كلها الآن تتحرك، وهى فى حركتها تقترب بوجدانها وأفكارها وآمالها، وإن بدا للنظرة السطحية أنها فى الظاهر تبتعد بالخلافات بين حكامها، أو بأصوات إذاعاتها التى ما زال البعض منها يتلقى الوحى همساً من الغريب الدخيل.

أما السبب الثانى: فإنه لابد لنا - ونحن بصدد مواجهة عملية لكافة نواحى الموقف - أن نسلم أن مشكلة إسرائيل فى جزء منها هى مشكلة داخلية بالنسبة للعالم العربى.

ذلك أنه لا يمكن فى تصورى أن يبقى مليونان من الناس فى إسرائيل أو حتى ثلاثة ملايين أو أربعة خطراً عدوانياً على خمسين مليوناً من العرب يحيطون بهم، إلا إذا كان مبعث الخطر الحقيقى ليس قوة إسرائيل بقدر ما هو ضعف العرب. وليس الأمر هنا أمر جيوش وسلاح فحسب، وإنما المعركة أعمق وأبعد.

ولقد أحسست فى فلسطين بطبيعة التحدى الذى كنا نواجهه، وربما كان ذلك هو السبب فى أننا بعد ثورة ١٩٥٢ مباشرة ركزنا معظم الجهود فى نواحى الإصلاح الاجتماعى، حتى جاءت حادثة غزة فى فبراير ١٩٥٥، فعلمتنا درساً هاماً جديداً: هو أن إسرائيل لن تتركنا بهدوء لنقيم مجتمعنا على الأساس الذى نريده، فإنها تدرك خطر ذلك عليها فى المستقبل غير البعيد. ولقد خرجنا من غارة غزة ونحن نؤمن أنه لابد من الجيش القوى والسلاح القوى، لحماية عملية البناء الداخلى.

وجمعت إسرائيل القوى للعدوان الثلاثى، وساقت أقوى دول العالم سوقاً أمامها لكى تكسر الجيش القوى والسلاح القوى، ولقد كان همى منذ تجلت حدود مؤامرة العدوان الثلاثى أن أحافظ على الجيش.

ولقد كنت واثقاً أننا بكفاح الشعب وصموده، وبقوة القومية العربية وسلطان الضمير العالمى؛ نستطيع أن نهزم بريطانيا وفرنسا.

أما الجيش بأسلحته البرية والجوية والبحرية؛ فقد كان يجب أن يبقى سليماً مستعداً لإسرائيل؛ لهذا أمرت فى تلك الظروف العصيبة بأن يبتعد الطيران عن المعركة بعد الاشتباكات الأولى ضد إسرائيل، ولقد أثبت تفوقه، كذلك أمرت الجيش أن ينسحب من سيناء لينضم إلى الشعب ليواجه العدوان المتشعب الأطراف فى جبهة دفاعية واحدة. ولقد كان خير ما نستطيع أن نحقق به أهداف إسرائيل أن نحارب معركة لا عقل فيها، وندفع خيرة الطيارين من المقاتلين، وقد بذلنا الجهد الطويل المضنى لإعدادهم وتدريبهم؛ لكى يقضى عليهم التفوق الجوى الساحق لبريطانيا وفرنسا. كذلك الحال لو كنت تركت الجيش فى سيناء يواجه إسرائيل، بينما بريطانيا وفرنسا تضربانه من الخلف، وتمزقان خطوط مواصلاته، وتعزلانه عن قواعده. كذلك الحال لو كنت تركت مدمراتنا تخرج لمواجهة حاملات الطائرات والبوارج والمدرعات والغواصات البريطانية والفرنسية.

وحين أنظر الآن إلى الأحداث الماضية أشعر بارتياح كبير، وأحس أن الله كان معنا بروحه ونحن نتخذ هذا القرار العصيب، لقد انتصرنا شعباً وجيشاً فى معركتنا ضد العدوان، وفى نفس الوقت بقى الجيش قوياً، بل أقوى مما كان عدداً، وسلاحاً، وتدريباً، ثم بدأنا فى حِماه نبنى المجتمع الداخلى ونقيم أسسه من جديد.

ولقد يقول لى قائل: إن إسرائيل ليست مجرد مليونين أو ثلاثة من السكان يعيشون فى شريط ساحلى من الأرض المغتصبة من العرب، وإنما إسرائيل صهيونية عالمية ودول كبرى تتأثر بها وتخضع لها أحياناً.

وردى على ذلك: أن هذا صحيح لهذا أعلق أهمية كبرى على إعادة بناء المجتمع العربى على أساس قوى وسليم، إن جيش إسرائيل ليس مشكلة، وأنا واثق أن جيشنا وحده قادر على لقائه، وليس يكفى إسرائيل من الناحية العسكرية أن تخلق أسطورة جيش إسرائيل القوى وتصدقها. بل إن الدعاية الضخمة التى تحاول إسرائيل أن تقوم بها لجيشها تذكرنى بصراخ المحاربين فى القبائل البدائية حين يكون صراخهم لتطمين أنفسهم قبل أن يكون دليل بأس على أعدائهم.

ولا يمكن فى خيال أى مهووس أن يكون جيش إسرائيل قادراً على العمل العسكرى الحقيقى فى المنطقة الشاسعة الواسعة من حوله؛ لهذا فإن الأسلوب الذى جرى عليه جيش إسرائيل هو أن يضرب فى مكان ويختفى، وأن يطلق صيحات أكثر عدداً من الطلقات، وأن يريق حبراً فى الصحف والكتب أكثر مما يريق دماً فى ميدان القتال. وقد تستطيع إسرائيل أن توجه مفاجأة سريعة فى أى عملية غادرة، أما مواجهة معركة حقيقية فمسألة أخرى.

ولقد قرأت كل ما كتب من الناحية الإسرائيلية عن معارك سيناء،  ومما يبعث على العجب والسخرية معاً، أن كل الكتاب الذين استأجرتهم إسرائيل ليقصوا وجهة نظرها فى هذه المعارك تحدثوا عن الاندفاع السريع داخل سيناء، ثم أغفلوا جميعاً العامل الأساسى فى معارك سيناء؛ وهو أمر الانسحاب الذى صدر للجيش المصرى بعد أن تكشفت مؤامرة العدوان الثلاثى وحدودها.

ولم يسأل أحد من النقاد نفسه: لو أن إسرائيل لم تكن تعرف أن القوات البريطانية والفرنسية فى طريقها إلى بورسعيد؛ هل كانت قواتها تتقدم بالطريقة التى تقدمت بها؟.. ماذا كان يحدث مثلاً للكتيبة التى هبطت بالمظلات فى ممر ميتلا قرب السويس؟  كان مصيرها المحتم هو الفناء بلا جدال، وما أظن أى ناقد عسكرى - حتى من نوع النقاد الذين تستأجرهم إسرائيل - كان يخالفنى فى ذلك.

ولعل هذا هو أول ما جعل الشكوك تراودنى فى أن هناك شيئاً آخر فى الخفاء تعرفه إسرائيل وتبنى خطتها على أساسه، وإلا فلو كان ذلك هو نوع العمليات الحربية التى تقوم بها إسرائيل؛ لكان ذلك جنوناً ليس بعده جنون؛ إذ يكون عملها هذا بمثابة فرصة تقدمها لنا لكى نقضى على جيشها دون عناء كبير.

هكذا فإن خطتنا تجاه إسرائيل ينبغى أن تكون:
أولاً: أن يكون جيشنا قادراً على مواجهة جيشها.
وثانياً: أن يكون المجتمع العربى قادراً - ببنائه السليم وقوته الذاتية وقدرته على المقاومة - على مواجهة ما وراء إسرائيل من قوى.

ومن هنا تبدو أهمية مشروعات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومن هنا يبدو السبب الذى يحفز إسرائيل إلى الحركة السريعة قبل أن تتم مشروعات التنمية فى الجمهورية العربية، وهى المشروعات التى تستطيع - مع الطاقة الروحية - أن تصنع المجتمع القادر القوى الصامد، الذى يستطيع أن يواجه ما وراء إسرائيل من قوى.

ولقد ابتعدنا قليلاً عن الحلقة الحالية، عن الخطة أو المؤامرة التى تسعى إسرائيل لتنفيذها عن طريق إثارة مشكلة حادة حول الملاحة فى قناة السويس فى هذه الظروف بالذات، ولكنه كان استطراداً لابد منه لإلقاء لمحات من الضوء على بعض جوانب الموقف. فإذا ما عدنا إلى الموضوع الأصلى المحدد الذى نواجهه اليوم، فما هو موقفنا؟

موقفنا الواضح منه هو: ليست المشكلة التى نواجهها اليوم فى تقديرنا مشكلة متعلقة بحرية الملاحة فى قناة السويس، إنما المشكلة الحقيقية هى:
- حقوق عرب فلسطين أولاً.
- ثم المطامع العدوانية لإسرائيل ثانياً.

وفيما يتعلق بالأمر كمشكلة حرية ملاحة، فإن موقفنا القانونى واضح، إن المادة العاشرة من معاهدة القسطنطينية ١٨٨٨، وهى المعاهدة التى ضمنت حرية الملاحة فى القناة، والتى أكدتها مصر بتصريحها عن حرية الملاحة بعد فتح قناة السويس فى أعقاب العدوان الثلاثى؛ تخول لمصر الحق فى أن تتخذ فى قناة السويس الإجراءات الكفيلة بتأمين الدفاع عنها، وعن سلامة القناة، وكفالة النظام العام فى الإقليم الذى تمر به.

وفيما يتعلق بتأمين الدفاع، فإن الواضح أن حالة الحرب مازالت تحكم العلاقات بين الجمهورية العربية المتحدة وإسرائيل. وعندما نوقش هذا الموضوع فى مجلس الأمن سنة ١٩٥٤ وشرحت مصر وجهة نظرها فيه، كان رأى بعض الذين عارضوا موقف مصر من دول مجلس الأمن أن اتفاقية الهدنة أنهت حالة الحرب، وكان رأى مصر أن اتفاقية الهدنة أوقفت القتال، ولكنها لم توقف حالة الحرب؛ لأن أسبابها مازالت باقية. ولقد تكفلت الحوادث بعد ذلك بتأييد وجهة نظر مصر؛ فبعد أقل من عام من هذه المناقشات فى مجلس الأمن، كانت غارات إسرائيل المسلحة على غزة والكونتلا والصابحة، ثم العدوان الثلاثى!

وفيما يتعلق بسلامة القناة؛ فكيف يمكن أن تسمح الجمهورية العربية المتحدة لبواخر إسرائيلية أو تستأجرها إسرائيل أن تمر فى القناة والعلاقات معها على ما هى عليه؟ أى ضمان أن لا تقوم إسرائيل بأى عمل تخريبى فى القناة، ولو على الأقل لتعطلها وتحرم الجمهورية العربية مما تحصل عليه من رسوم المرور فيها.

وفيما يتعلق أخيراً بالنظام العام فى الإقليم؛ فكيف يمكن كفالته إذا كان شعور الشعب على ضفتى القناة على ما هو عليه تجاه إسرائيل؟ ثم إذا رأى هذا الشعب علم إسرائيل على بواخرها عبر قناته، أو رأى السفن التى تستأجرها إسرائيل على مرمى الحجر منه؟!

هذا هو الموقف القانونى، ولقد كان هذا هو الموقف وكانت مصر تمارسه من سنة ١٩٤٨، وكانت تمارسه حينما كانت شركة قناة السويس تملك القناة، وحين كان الاحتلال البريطانى مازال على ضفتيها، بل لقد مارسته مصر من قبل خلال حربين عالميتين ضد ألمانيا وحلفائها لصالح بريطانيا وحلفائها، فكيف لا تمارسه اليوم ضد عدو العرب.. عدوها؟!

ويقال فى إسرائيل اليوم: إن الجمهورية العربية المتحدة بموقفها هذا تخالف توصية لمجلس الأمن سبق له أن أصدرها فى الموضوع حينما نوقش أمامه سنة ١٩٥١، والتوصية تطلب إلى مصر- فى ذلك الوقت - أن تعيد النظر فى موقفها من بواخر إسرائيل! وعجيب أن تطالب إسرائيل اليوم بالطاعة لتوصية.. مجرد توصية أصدرها مجلس الأمن، وهى التى يراها العالم كله وقد داست على قرارات طويلة أصدرتها الأمم المتحدة لصالح شعب فلسطين، ومضت فى انتهاك هذه القرارات، من مجرد العصيان إلى تدبير جرائم القتل ضد ممثلى الأمم المتحدة!

ولقد أصدرت الأمم المتحدة فى سنة ١٩٤٨ وفى سنة ١٩٤٩ قرارات بالغة الأهمية بالنسبة لشعب فلسطين، تلك هى القرارات الخاصة بحق اللاجئين من أبناء هذا الشعب بأن يعودوا إلى بلادهم، وأن تعود إليهم ممتلكاتهم، وأن يعوضوا عما لحق بهم من أضرار. وبعد مضى أكثر من ١٠ سنوات على هذه القرارات الهامة للأمم المتحدة، فإن إسرائيل رفضت أن تضع أياً منها موضع التنفيذ، بل إن الأمم المتحدة لما أصدرت قراراً بتكوين لجنة خاصة للإشراف على تنفيذ هذه القرارات، لم تحضر إسرائيل غير جلسة واحدة من جلسات هذه اللجنة التى كانت مشَكَّلة من أمريكا وفرنسا وتركيا، ثم قاطعت اجتماعاتها، ومازالت هذه اللجنة من الناحية الإسمية قائمة باعتبارها إحدى لجان الأمم المتحدة، ولكنها من الناحية الفعلية عاجزة عن أن يكون لها أى تأثير، ومازال مصيرها هو نفس مصير قرارات الأمم المتحدة التى تألفت للإشراف على تنفيذها.

وتتردد الآن أصوات فى الغرب تتحدث عن حق إسرائيل فى استعمال قناة السويس، ولا نسمع صوتاً واحداً فى الغرب يتحدث عن حقوق شعب فلسطين. ولن يؤثر فينا ما يقولون، إن طريق الواجب واضح أمامنا؛ حقوق شعب فلسطين.. حقوق العرب.. حقوقنا، وسنمضى فى طريق الواجب مهما كانت الاحتمالات.

هذه هى الصورة الكاملة، والباخرة "انجه توفت" التى ما تزال واقفة فى بورسعيد ليست إلا تفصيلاً من تفاصيلها.

المصادر

موقع الرئيس جمال عبدالناصر