السودان بين جراح الحاضر وحلم الوحدة العربية

السودان بين جراح الحاضر وحلم الوحدة العربية
المركز الديمقراطي العربي

بقلم : د.م محمد اسماعيل

يعيش السودان اليوم واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخه الحديث. بلد النيلين، الذي كان مهدًا للحضارة الإفريقية والعربية، تحوّل إلى ساحة صراع داخلي بين الإخوة في الوطن الواحد: الجيش بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي).

إن هذا الصراع، الذي دخل عامه الثالث، ليس مجرد معركة على السلطة، بل هو جرح مفتوح في جسد الأمة العربية، يعكس غياب المشروع القومي الذي كان في زمن عبد الناصر يضم الجميع تحت راية التحرر والوحدة. وفوق ذلك، يتصاعد المشهد الإنساني بصورة مأساوية: تقارير منظمة الصحة العالمية ومنظمات حقوقية وأمم متحدة توثّق مئات القتلى في هجمات استهدفت مستشفيات وأماكن مدنية في الفاشر ومناطق أخرى، مع أنباء عن مئات إلى آلاف الضحايا والجرحى و موجات نزوح واسعة.

ولعل أخطر ما يفاقم مأساة السودان هو تدخّل بعض القوى الإقليمية في الصراع والتي تدعم قوات حميدتي بالسلاح والمال، في محاولة لفرض نفوذها داخل السودان والتحكم في ثرواته ومساراته السياسية.
هذا الدعم الخارجي لا يخدم الشعب السوداني، بل يطيل أمد القتال وتوسيع رقعة الانتهاكات ، ويُعمّق الانقسام، ويجعل القرار السوداني رهينة لمصالح خارجية تتناقض مع المصلحة القومية العربية.

من منطلقنا القومي ، نرفض أي تدخل خارجي يموّل ميليشيا أو يضعف الدولة الوطنية. كل دعم يُقدّم لميليشيا مسلّحة، مهما كانت المبررات، يُعَدّ انتهاكًا لحق الشعوب في تقرير مصيرها ولأمننا القومي المشترك. السياسة الناصرة تدعو إلى سيادة دول المنطقة وحماية المدنيين واستعادة دور الدول الوطنية في إدارة شؤونها بعيدًا عن أي وصاية إقليمية أو خارجية.

لكن الأمل لا يزال قائمًا. يمكن حل الأزمة السودانية إذا اجتمعت ثلاثة مسارات رئيسية:

المسار العربي والدبلوماسي :  مبادرة مصرية أفريقية فورية لوقف إطلاق النار، تليها آلية مراقبة عربية إفريقية لإنسحاب الميليشيات من المدن وتسليم السلاح الثقيل، مع فرض عقوبات دبلوماسية واقتصادية على الجهات الخارجية التي تموّل أو تسلح الميليشيات ويجب أن تكون القاهرة شريكةً فاعلة في هذه المبادرة، بالتعاون مع الاتحاد الأفريقي.

المسار المدني والشعبي :  تفعيل دور قوى المجتمع المدني السوداني وشبابه في قيادة عملية مصالحة وطنية حقيقية، عبر مجالس محلية للمصالحة والعدالة الانتقالية، تضمن مشاركة واسعة لكل المكونات وتعيد بناء الثقة بين الأقاليم.

المسار الإنساني والإعمار :  فتح ممرات إنسانية محمية لتأمين الغذاء والدواء والرعاية الطبية للمدنيين، وإطلاق حزمة تمويل عربية مشتركة لإعادة الإعمار وتوفير احتياجات النازحين، مع رقابة دولية شفافة لتوزيع المساعدات.

دعم الدولة الوطنية ومؤسساتها المدنية والعسكرية المتوافقة مع الشرعية الوطنية وحده يضمن استقرار السودان والمنطقة أما أي دعم خارجي لميليشيا سواء بسلاح أو مال أو غطاء سياسي فسيكون ضارًا بمصالحنا القومية ويغذي مزيدًا من العنف والفرقة

ختامًا، إن استعادة السودان إلى طريق الدولة والقانون تبدأ بتوحيد الجهود العربية والافريقية، وبتشبّث الشباب السوداني بروح المواطنة والعدالة الاجتماعية. لنترك للأجيال القادمة وطنًا حرًا موّحدًا، لا ساحةً لصراعات خارجية وميليشيات تهدِّد أمنه ومستقبله.