عــبــد الــنــاصــر .. حارس الهوية المصرية

عــبــد الــنــاصــر .. حارس الهوية المصرية

بقلم: عمرو صابح

من العجيب أن يتحول من أنقذ آثار مصر من الغرق والضياع إلى متهمٍ بتبديدها وبيعها!
ومن المؤلم أكثر أن يتجرأ بعض الجهلاء والمغرضين من الإخوان والليبراليين والشماشرجية الجدد على ترديد الأكاذيب حول علاقة الرئيس جمال عبد الناصر بآثار مصر، زاعمين أنه فرّط فيها ووزّعها على دول العالم!
هذه فريةٌ كبرى لا تصمد أمام أي بحث أو وثيقة أو شهادة من الذين عاشوا الحدث وشاركوا فيه.
ولإظهار الحقيقة كاملة، لا نحتاج إلى آراء أو اجتهادات، بل إلى  شهادة موثقة من أبطال القصة أنفسهم، وعلى رأسهم وزير الثقافة الأسبق الدكتور ثروت عكاشة، الذي كان شاهدًا وشريكًا في كل تفاصيل ملحمة إنقاذ آثار النوبة التي تُعد واحدة من أعظم مشاريع الحفاظ على التراث الإنساني في القرن العشرين.

شهادة ثروت عكاشة

يروي الدكتور ثروت عكاشة في كتابه الهام «مذكراتي في السياسة والثقافة» — وتحديدًا في الفصل السادس من الجزء الثاني المعنون «تجربتي عضوًا بالمجلس التنفيذي لليونسكو – الحملة الدولية لإنقاذ آثار النوبة» — تفاصيل مذهلة عن الدور المصري في إنقاذ تراث النوبة وآثارها من الغرق بعد بناء السد العالي.
ويكشف أن نظام ثورة 23 يوليو كان أول من أنشأ مركزًا علميًا متخصصًا لتسجيل ودراسة الفن والتراث والحضارة المصرية، هدفه حفظ وتوثيق كل ما يتعلق بالآثار المصرية القديمة بصورة علمية حديثة.
ويقول عكاشة إن اهتمام الدولة بآثار النوبة بدأ مبكرًا جدًا، منذ عام 1954، أي قبل وضع حجر الأساس للسد العالي بسنوات، إذ كانت مياه خزان أسوان الذي أُنشئ عام 1902 تُغمر المعابد النوبية في مواسم الفيضان، ما هددها بالاندثار الكامل.
بل إن الكاتب الفرنسي بيير لوتي تنبأ في كتابه «موت فيلة» بزوال آثار النوبة إلى الأبد إن لم يُتحرك لإنقاذها، كما عبّر أمير الشعراء أحمد شوقي عن تلك المأساة في قصيدته الشهيرة عام 1910 قائلاً:

> قف بتلك القصور في اليمِّ غرقى
ممسكًا بعضها من الذعر بعضا
كعذارى أخفين في الماء بضعا
سابحاتٍ به، وأبدين بضعا
مشرفاتٍ على الزوال وكانت
مشرفاتٍ على الكواكب نهضا

عرض السفير الأمريكي 

يواصل ثروت عكاشة روايته فيذكر أن الشرارة الأولى للحملة الدولية جاءت عام 1958 مع بداية الإعداد لتنفيذ مشروع السد العالي، حين زاره في مكتبه بالقاهرة السفير الأمريكي ومدير متحف المتروبوليتان، ليقدما عرضًا وقحًا هو شراء جميع معابد وآثار النوبة التي ستغرق بعد بناء السد!
اندهش الوزير من الطلب، وطلب مقابلة الرئيس عبد الناصر لعرض الأمر عليه، فما إن سمع عبد الناصر بالعرض حتى قال:
 «يرفضون المساهمة في بناء السد العالي، ثم يريدون أن يشتروا آثارنا؟! إنهم لا يغيّرون أساليبهم في نهب ثروات الشعوب».
عندها عرض ثروت عكاشة خطته لإنقاذ الآثار عبر حملة دولية برعاية اليونسكو، فوافق عبد الناصر فورًا، ووجّه أجهزة الدولة كافة لتقديم الدعم المالي والسياسي لإنجاح المشروع.

ملحمة الإنقاذ: من الفكرة إلى الأعجوبة الثامنة

انطلقت الحملة رسميًا عام 1958 واستمرت عشر سنوات حتى عام 1968، بمشاركة عشرات الدول تحت إشراف اليونسكو وبتنسيق مصري كامل.
وقد تحوّلت الحملة إلى ملحمة هندسية وثقافية غير مسبوقة، إذ جرى تفكيك ونقل وإعادة بناء معابد عملاقة مثل أبو سمبل وفيلة وكلابشة قطعة قطعة، في عمل دقيق اعتُبر حينها المعجزة الثامنة في العالم.
كانت تكلفة الحملة نحو 80 مليون دولار، دفعت مصر منها الثلث، بينما تكفلت الدول المانحة واليونسكو بالباقي.
ورغم هزيمة 1967، لم تتوقف مصر لحظة واحدة عن استكمال المشروع حتى تم افتتاحه رسميًا في 22 سبتمبر 1968 بحضور دولي واسع.
يذكر عكاشة أنه وثّق هذه الملحمة في كتابه «إنسان العصر يتوج رمسيس»، الذي نشرته الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1971، ثم قامت اليونسكو بترجمته إلى الفرنسية على نفقتها ووزعته في كل دول العالم.
كما كلفت وزارة الثقافة المخرج الكندي جون فيني بإنتاج فيلم تسجيلي ضخم عن عملية الإنقاذ، استغرق إنتاجه أربع سنوات، وخرج بعنوان «الأعجوبة الثامنة»، وهو التوصيف الذي استحقته تلك العملية بكل جدارة.
ولم تتوقف الحملة عند إنقاذ الآثار المهددة فحسب، بل أسفرت عن اكتشاف آلاف القطع الجديدة التي أصبحت نواة متحف النوبة الحالي، وأرست تقاليد جديدة في علم الآثار المصري لم تعرفها البلاد من قبل.

حقيقة المعابد التي أُهديت

ولأن بعض الدول المانحة اشترطت صراحةً الحصول على مقابل نظير مشاركتها في تمويل الحملة الدولية لإنقاذ آثار النوبة، فقد وافقت الحكومة المصرية — حفاظًا على استمرار المشروع تحت إشراف منظمة اليونسكو — على هذا الشرط ضمن إطار رسمي موثق.
وشُكّلت لجنة مصرية من كبار علماء الآثار لاختيار بعض القطع المفككة وغير المكتملة من الآثار لمنحها للدول الممولة لحملة إنقاذ آثار النوبة.
وهكذا أُهدي معبد دندور إلى الولايات المتحدة، ومعبد دابود إلى إسبانيا، ومعبد طافا إلى هولندا، كما أُهديت مقصورة الليسيه إلى إيطاليا، ورأس أمنحتب الرابع إلى فرنسا.
كانت تلك الهدايا تنفيذًا لشروط الاتفاق الدولي، لا لتفريطٍ أو بيعٍ كما يزعم الجاهلون، بل في إطار تعاون حضاري موثق ومشروع ضمن أعظم عملية إنقاذ للتراث الإنساني في القرن العشرين.

من سرق آثار مصر فعلاً؟

قبل ثورة 23 يوليو، كانت سرقة الآثار المصرية تجارة رسمية برعاية القصور الملكية.
فأكبر موجة نهب بدأت مع الحملة الفرنسية عام 1798، وتواصلت طوال حكم الأسرة العلوية.
محمد علي باشا نفسه أهدى مسلات وتماثيل نادرة لفرنسا وإنجلترا وروسيا، فالمسلة التي تزين ميدان الكونكورد بباريس كانت عند مدخل معبد الأقصر، وأهداها عام 1833.
كما باع عام 1832 تمثالين لأمنحتب الثالث إلى قيصر روسيا نيقولا الأول مقابل 64 ألف روبل، بعد أن فشلت صفقة بيعها لملك فرنسا شارل العاشر.
وفي فرنسا اليوم أربع مسلات مصرية وأكثر من 50 ألف قطعة أثرية في متحف اللوفر وحده، بينها تماثيل رمسيس الثاني ونفرتيتي وأخناتون والكاتب المصري.
وفي بريطانيا يرقد حجر رشيد في المتحف البريطاني بين مئة ألف قطعة مصرية، إضافة إلى المسلة التي أهداها محمد علي عام 1831 والمقامة على نهر التايمز.
وفي نيويورك تنتصب مسلة الأقصر التي أهداها الخديوي إسماعيل عام 1879، وفي إيطاليا متحف الميوزيو إيجيتسيو الذي أنشئ عام 1824 ويضم 32 ألف قطعة مصرية نُهبت خلال عهود الأسرة العلوية، خاصة في زمن الملك فؤاد الأول.

سليم حسن... بين فاروق وعبد الناصر

ومن الشهادات الدالة على الفارق بين العهدين ما رواه الأستاذ مختار السويفي في مقدمة «موسوعة مصر القديمة» للعالم الجليل الدكتور سليم حسن، أول مصري تولى وكالة مصلحة الآثار عام 1936.
فقد اكتشف سليم حسن أن الملك فؤاد استولى على مجموعة أثرية ووضعها في قصره، فاستعادها بالقانون، لكن الملك فاروق انتقم منه وأحاله إلى التقاعد عام 1939.
وبعد ثورة يوليو، أعاد عبد الناصر الاعتبار لهذا العالم الكبير، وأوفده في جولات علمية لمتاحف العالم، ثم عيّنه مستشارًا للمتحف المصري عام 1959، فاختارته أكاديمية نيويورك للعلوم عضوًا دائمًا بالإجماع عام 1960.

أول كلية أثار مصرية

 في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، خطت مصر خطوة رائدة في مجال صون تراثها ودراسة حضارتها حين تأسست عام 1970 أول كلية آثار مصرية بجامعة القاهرة، تتويجًا لرؤية عبد الناصر في جعل الثقافة والهوية الوطنية ركيزتين أساسيتين لبناء الدولة المصرية.
وقبل إنشاء هذه الكلية، كان الأثريون المصريون يتلقّون دراستهم في أقسام متفرقة داخل كلية الآداب، دون وجود مؤسسة متخصصة تجمع بين علوم التنقيب والترميم والتاريخ القديم في كيان علمي موحد.

عبد الناصر والهوية المصرية

كان جمال عبد الناصر أول مصري يحكم مصر منذ نهاية عصور الأسر المصرية القديمة، بعد قرونٍ طويلة تعاقب فيها على حكم البلاد غرباء من الفرس والإغريق والرومان والعرب والأكراد والمماليك والعثمانيين والفرنسيين ثم الألبان من أسرة محمد علي وصولا للاحتلال الإنجليزي. ولهذا أدرك عبد الناصر أن عودة المصري إلى سدة الحكم لم تكن مجرد حدثٍ سياسي، بل استعادة لجوهر الهوية المصرية نفسها.
فالرجل الذي قاد معركة إنقاذ آثار النوبة لم يكن ينقذ حجارةً صامتة، بل كان يعيد الحياة إلى رموز الذاكرة المصرية، ويؤكد أن مصر الحديثة امتداد طبيعي لحضارةٍ ضاربةٍ في الجذور.
لقد فهم عبد الناصر الهوية المصرية على نحوٍ أعمق من شعارات ضيقة أو نزعات انعزالية.
فمصر عنده ليست مجرد جغرافيا أو لهجة أو لون على الخريطة، بل رسالة حضارية خالدة.
ولذلك لم يرَ أي تعارض بين الانتماء المصري والعربي، بل رأى العروبة امتدادًا طبيعيًا لمصر التي كانت دائمًا مركز الإشعاع في محيطها ومجال نفوذها الحيوي.
في «فلسفة الثورة»، رسم عبد الناصر بدقة موقع مصر في ثلاث دوائر: العربية والإفريقية والإسلامية، معتبرًا أن قوتها الحقيقية في توازن هذه الدوائر، لا في انغلاقها داخل حدود ضيقة.
هذه الرؤية انعكست في كل سياساته الداخلية والخارجية.
لقد تجلت مصريّة عبد الناصر في احترامه العميق للتاريخ ووعيه بأن الأمم التي تنكر ماضيها تفقد بوصلتها.
فحين رفض بيع آثار النوبة، لم يكن يدافع عن جدرانٍ منقوشة، بل عن كرامة وطنٍ وذاكرة أمة.
وحين وجّه بإنقاذ معابد أبو سمبل، كان يرى فيها ما هو أبعد من الجمال المعماري؛ كان يرى رمزًا لقدرة المصريين على تحدي المستحيل، في الماضي كما في الحاضر.
إن الذين يتحدثون اليوم باسم "القومية المصرية" وينكرون العروبة باسم "المصرية الخالصة" يسيئون فهم جوهر مصر نفسها.
فمصر التي أنقذت معابدها بجهد علمائها وعمالها تحت راية عبد الناصر، لم تكن دولة منغلقة، بل أمّة تعرف جذورها وتعي رسالتها.
القومية المصرية في فكر عبد الناصر لم تكن انغلاقًا على الذات، بل انفتاحًا على العالم من موقع القوة والتاريخ.
ولذلك كان طبيعيًا أن تمتد يده لبناء السد العالي كما امتدت يد ملوك مصر القديمة لبناء الحضارة؛ فكلاهما عبّر عن إرادة الإنسان المصري حين يواجه الطبيعة ويقهرها بالعلم والعمل.
إن عبد الناصر لم يكن خصمًا لمصر القديمة كما يزعم المغرضون، بل امتدادًا لروحها الحية.
هو من آمن بالعدالة الاجتماعية كما آمن بها المصري القديم في قوانين "ماعت"، وهو من جعل من الجيش الوطني أداة للبناء كما كان في زمن حور محب وتحتمس الثالث، لا مجرد حارس لعرش أو سلطة.
ولذلك فإن كل محاولة لتصويره كعدوٍ للهوية المصرية هي تزوير للوعي التاريخي.
لقد أعاد عبد الناصر تعريف معنى "المصرية" في القرن العشرين:
مصر التي تعرف ماضيها، وتبني حاضرها، وتتحمل مسؤوليتها تجاه أمتها العربية وأمتها الإسلامية وإفريقيا والعالم.
ومن هنا يظلّ اسمه محفورًا في ضمير مصر كلها:
الزعيم الذي صان التاريخ، وصاغ المستقبل، فاستحقّ أن يُلقَّب بحق بـ«حارس الهوية المصرية».

المراجع

1. ثروت عكاشة، إنسان العصر يتوج رمسيس.

2. ثروت عكاشة، مذكراتي في السياسة والثقافة (الجزءان الأول والثاني).

3. سليم حسن، موسوعة مصر القديمة.

4. جمال عبد الناصر، فلسفة الثورة.