يجب أن نبدأ عهداً جديداً
أيها المواطنون:
أحييكم، وقد كان بودى أن نجتمع فى هذا المكان ومعنا وفود الوجه البحرى ووفود الوجه القبلى؛ حتى نشعر بالتآلف الحقيقى وبالوحدة الحقيقية، وحتى نشعر بأبناء الوطن وقد اجتمعوا - لأول مرة - فى هذا القاعة، وقد تركوا وراءهم المهاترات والمنازعات، واتجهوا بقلب واحد وروح قوية نحو هدف واحد؛ وهو مستقبل مصر وحريه مصر، وكرامه مصر، وعزه مصر.
فإذا اجتمع بالأمس أهالى الوجه القبلى، واجتمع اليوم أهالى الوجه البحرى ومنطقة القنال، فهذا لا يمنع أن الأهداف واحدة والأغراض واحدة. وهذا لا يمنع من الشعور بالعزم على العمل.. العمل نحو تحقيق هذه الأهداف والعمل فى سبيل تحقيق هذه الأغراض.
لقد كنا فى الماضى ننادى دائماً بأهداف براقة، وكنا فى الماضى نسعى دائماً وراء الكلمات المعسولة، لكن أهدافنا لم تتبلور فى الماضى. لقد كنا شيعاً وأحزاباً، وكنا نهتم بأسباب الفرقة ونهتم بأسباب الخلاف أكثر مما نهتم بمصائرنا وأكثر مما نهتم بكرامتنا وأكثر مما نهتم بحريتنا. كان هذا هو سبيلنا فى الماضى.
فقد كان الاستعمار وأعوان الاستعمار يعملون دائماً على إضعافنا، ولم يكن هناك بث هذا الضعف فينا إلا عن طريق الفرقة، وإلا عن طريق التنابذ، وإلا عن طريق الخلاف، فعن طريق الفرقة، وعن طريق التنابذ، وعن طريق الخلاف استطاع الاستعمار أن يتمكن فى أرضنا، واستطاع الاستغلال أن يتحكم فى أرزاقنا، واستطاع الاستعباد، واستطاع الاستبداد أن يتمكن فى أرواحنا وفى مصائرنا.
ولم يكن لهم إلا سبيل واحد وهذا السبيل هو التحزب، وهذا السبيل هو التفرق، وهذا السبيل هوالبغضاء. واليوم ونحن نحتفل بخروج الإنجليز ونحن نحتفل بتحرير أرض الوطن أقول لكم: إن هذا الاحتفال يعقبه أعمال كبرى، وتعقبه أعمال عظام؛ هذه الأعمال يجب أن يقوم بها كل فرد منكم، ويجب أن تقوم بها كل أسرة منكم، ويجب أن تقوم بها كل جماعة منكم لإننا إذا أردنا أن نحقق أهداف هذه الثورة تحقيقاً واقعياً عملياً، يجب أن ننسى الماضى وأساليب الماضى، ويجب أن ننبذ الخلاف ويجب أن ننبذ التحزب ويجب أن ننبذ التفرقة، ونتجه إلى المستقبل أيدينا فى أيدى بعض، كل منكم يعمل مع أخيه، نتجه إلى المستقبل متسلحين بالمحبة، ومتسلحين بالتعاون، ومتسلحين بالتآلف. وبهذا - يا إخوانى - سنستطيع أن نحقق الأهداف التى قامت من أجلها هذه الثورة، الأهداف التى كنتم تشعرون بها جميعاً فى الماضى، الأهداف التى كنتم تحلمون بها جميعاً فى الماضى، الأهداف التى قلتها وأقولها دائماً، إنها أهداف كبرى، إنها أهداف عظام، وهى تنحصر فى كلمة بسيطة هى بناء مصر، وإقامة عدالة اجتماعية بين أهلها.
فلنذكر دائماً إن هذا الهدف هدف كبير بيننا وبينه كثير من الصعاب، وإذا أردنا أن نحققه من أجل أبنائنا ومن أجل أحفادنا ومن أجل الأجيال القادمة، ومن أجل مصر وشرف مصر وكرامة مصروعزة مصر، يجب أن نبدأ عهداً جديداً، ويجب ألا نعطى للمستعمرين أو أعوان المستعمرين، ويجب ألا نعطى للمستغلين الذين استغلونا فى الماضى وتحكموا فينا وفى أرزاقنا.. يجب ألا نعطيهم الفرصة مرة أخرى لكى يعيدوا ما عملوه فى الماضى تحت أى اسم من الأسماء.
يا إخوانى.. إذا أردنا أن نحقق الكلام الذى نهتف به، وإذا أردنا أن نحقق الآمال التى كنا نتمناها جميعاً يجب أن ننبذ أساليب التفرقة، كل واحد منكم - يا إخوانى - بيشعر ويحس بالماضى، كل واحد فيكم كان بيعرف إن الحكم كان أداة من أدوات الانتقام، وإن كرسى النيابة كان وسيلة من وسائل الانتقام. وكل واحد كان يتبع هذه الوسيلة كان بيمهد الطريق للتفريط فى حريته وللتفريط فى كرامته وللتفريط فى عزته، لأن الشخص اللى كان بييجى نائب عن الأمة أو الشخص اللى كان بييجى يحكم باسم الأمة، ويتخذ هذه السلطة وسيلة للانتقام أو للتشهير ببعض أعضاء الوطن، كان بيضع فى ربوع هذا الوطن مبادىء جديدة وأسس جديدة تستخدم ضده فى المستقبل، تستخدم ضد حريته وتستخدم ضد كرامته وتستخدم ضد عزته، وبهذه الوسائل وبهذه الأساليب هدمت عزة الجميع، وهدمت كرامة الجميع وأهدرت حريات الجميع. هذا هو ما اتبع فى الماضى، إذا ما أردنا أن نتجه إلى المستقبل يجب أن نؤمن أن الحكم ليس لخدمة جماعة من الجماعات، والانتقام من الجماعات الأخرى ولكن الحكم لخدمة الجماعة، لخدمة المجموعة الكبرى، لخدمة أبناء الوطن أجمعين.
على هذه الأسس وعلى هذه المبادئ يجب أن نسير، وعلى هذه الأسس وعلى هذه المبادئ يجب أن نعمل، لأن بهذا - يا إخوانى - نحمى حريتنا ونحمى كرامتنا ونحمى عزتنا، فإننا إذا حمينا كرامة الآخرين نثبت بهذا كرامتنا، وإذا حمينا حرية الآخرين نثبت بهذا حريتنا، وإذا رفعنا عزة الآخرين نرفع بهذا عزتنا.
يا إخوانى:
لقد استغل فى الماضى الخلافات البسيطة بين العائلات، استغلت وأنتم أدرى منى بهذا.. لتقييد الجميع ولاستغلال الجميع وللاستبداد بالجميع. كان فيه واحد بيدخل مجلس النواب مع حزب من الأحزاب، وبيكون فرحان جداً على أنه جت له الفرصة علشان ينتقم من الآخرين، وأظن مافيش واحد من دول ما قعدش شهرين تلاتة ينتقل، وبعدين جا عليه الدور طلع وجا التانى انتقم منه، وادى التانى الفرصة علشان ينتقم منه. مين اللى كان خسران فى هذا؟ كلكم، كل واحد عليه الدور علشان ينتقم، كل واحد بينتقم بييجى عليه الدور علشان ينتقم منه.. وكنا فى هذا... النتيجة جميعاً مستعبدين وجميعاً مستغلين، وعدد قليل من الناس بيلعب بنا وبيخدعنا وبيضللنا وبيسخرنا لخدمة الاستعمار وخدمة أهداف الاستعمار، ولخدمة الاستغلال ولخدمة المستغلين.
أنتم حسيتوا بهذا أكثر مما حسيت به أنا، كل عائلة من العائلات كانت بتحاول تشوف وسيلة من الوسائل علشان تنتقم، وكانت هناك سياسة عميقة لبث بذور الخلاف ولبث بذور الفرقة؛ لإنه لا يمكن للمستعمر أن يعيش بيننا ولا يمكن لمستغل من أن يتحكم فينا إذا اتحدنا وإذا تماسكنا وإذا اتجهنا إلى الهدف الأكبر.. الهدف الأعظم. وكانوا دائماً يحاولون أن يلفتوا أنظارنا نحو الخلافات الصغرى حتى تشتد وحتى تتفاقم وحتى لا يكون كل فرد منا أخ لأخيه، ولكن كل فرد منا يكون عدواً لأخيه فقد نجحوا فى هذا، نجحوا فعلاً.. نجحوا فى بث روح الخلاف ونجحوا فى بث روح التفرقة، ونجحوا فى بث روح الحسد والحقد والضغينة. وهذا - يا إخوانى - هو السبب الأول فى المصير الذى كانت تسير إليه البلاد، هذا هو السبب الأول فى الاستهانه بكم وفى الاستهانه بكرامتكم، وفى الاستهانه بعزتكم. هذا هو السبب الأول الذى دعا الحكام والذى دعا الحاكمين إلى أن يمرحوا و يفسدو ويطغوا؛ لإنهم كانوا يؤمنون من قرارة نفسهم أن لا خير فى هذا الوطن فقد تفرق شيعاً وأحزاب. إذا أردنا - يا إخوانى - ألا نكرر هذه المهازل مرة أخرى، وإذا أردنا أن نعيش شرفاء، شرفاً حقيقياً، وأعزاء عزة حقيقية، وكرماء كرماً حقيقياً، إذا أردنا أن نتمتع بالحرية الحقيقية أن نشعر إننا أحرار فى بلادنا، وأن هذا الوطن ملكاً لنا وملك لأبنائنا وملك لأحفادنا من بعدنا؛ يجب ألا نعيد هذه المهزلة مرة أخرى، ويجب أن نتجه إلى المستقبل، ويجب أن ننظر إلى الوطن على إنه شىء مقدس لا تلهينا عنه الخلافات ولا تلهينا عنه الأغراض الصغرى، ولكنا ننظر إلى الوطن على إنه شىء مقدس، أصبح اليوم ملكاً.. أصبح اليوم ملكاً لنا؛ فقد تخلصنا من الحكام الأجانب وتخلصنا من الحكام الدخلاء، وسنتخلص بإذن الله فى وقت قريب لا يزيد عن ٢٠ شهراً من الاحتلال الأجنبى الذى استمر أكثر من سبعين عاماً ينخر فى نفوسنا، وينخر فى معنوياتنا، ويكسر فى أرواحنا. بعد أن تخلصنا من هذا كله يجب أن نحافظ على هذه الهبة العظمى التى وهبنا الله إياها بعد أن يئسنا جميعاً.. لقد يئسنا فعلاً من رحمة الله، وكان كل فرد منكم يهمس ويتكلم ويشكو لأخيه، أو يشكو لنفسه من الاستبداد ومن الاستغلال ومن الاستهانة بالكرامات.. لقد كنا جميعاً نهمس، وكنا جميعاً نشكو، وكنا جميعاً نتجه إلى الله ننتظر الغوث فإذا أتت حكمة الله، وإذا أتى عون الله وقامت هذه الثورة ونجحت بمشيئة الله، فيجب أن نحافظ على هذا بدمائنا وبأرواحنا وبقلوبنا، يجب أن نحافظ على مصر التى أصبحت ملكاً لنا بعد أن كانت ملكاً للمستغلين، وبعد أن كانت ملكاً للدخلاء الاجانب، وبعد أن كانت موطئاً للمستعمرين المحتلين.
مصر التى تطهرت اليوم من الاستبداد والتى تطهرت اليوم من الاستغلال، والتى تطهرت اليوم من الاحتلال، مصر تريد منكم أن تنكروا ذواتكم وتتجهوا إليها من أجل أبنائكم ومن أجل أحفادكم؛ لتعملوا وتحافظوا على ما وهبنا الله إياه. وبهذا - يا إخوانى - سنستطيع أن نشعر إننا أعزاء فى بلدنا، سنستطيع أن نشعر أن هذا الوطن ملك لنا. ولا يمكن - يا إخوانى - أن يتحقق هذا إلا إذا عمل كل فرد منكم، وإلا إذا اتجه كل فرد منكم إلى المستقبل ليعمل لتحقيق هذه الأهداف ولتحقيق هذه الأغراض. مصر اليوم - يا إخوانى - تنتظر منكم عملاً وتنتظر منكم اتحاداً وتنتظر منكم تآلفاً؛ وتنتظر منكم أن تتجهوا جميعاً ناسين الخلافات، وناسين الضغائن، وناسين الأحقاد، تتجهون جميعاً نحو الغرض الأكبر، نحو الغرض الأعظم وهو بناء مصر بناءً قوياً شامخاً، وإقامة عدالة اجتماعية بين أهلها.
والسلام عليكم ورحمة الله.
_________________________________________
كلمة الرئيس جمال عبد الناصر فى اجتماع وفود الوجه البحرى والقنال الذى عقد بمجلس النواب بمناسبة توقيع اتفاقية الجلاء
بتاريخ ٢٤ أكتوبر ١٩٥٤م.