أكدت استعدادنا لتحمل مسئولياتنا العالمية وذلك بالعمل إيجابياً فى تطوير وطننا سياسياً واقتصادياً وعربياً

أكدت استعدادنا لتحمل مسئولياتنا العالمية وذلك بالعمل إيجابياً فى تطوير وطننا سياسياً واقتصادياً وعربياً

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

من دواعى سعادتى أن أتقدم إليكم الآن بتقرير وفد الجمهورية العربية المتحدة عن مهمة السلام؛ التى ذهب إليها هذا الوفد باسم شعبنا المناضل عن الحرية، واشترك بمقتضاها فى أعمال الدورة الخامسة عشرة للجمعية العامة للأمم المتحدة.

وإنه لمن دواعى الرضا أن الجمهورية العربية المتحدة كانت بين الدول التى ساهمت إيجابياً فى التهيئة لهذا اللقاء الدولى، الذى تم فى الدائرة الأوسع، وعلى المستوى الأرفع فى نيويورك؛ ذلك أننا حين تلقينا فى الجمهورية العربية المتحدة اقتراح "نيكيتا سيرجيفيتش خروشوف" - رئيس مجلس وزراء اتحاد الجمهوريات السوفيتية - الرامى إلى جعل اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة على مستوى رؤساء الدول، كان رأينا أن هذا الاجتماع يستحق الاهتمام الكبير، ولو كمجرد محاولة لمواجهة حدة الموقف الدولى المنذرة بالخطر. وللدقة كان من فكرنا أن إهمال هذا الاقتراح تعسف ليس له ما يبرره، خصوصاً بعد النكسات المتتابعة التى أصابت أمل الشعوب فى السلام، وظللت آفاق عالمنا بالسحب الداكنة المشحونة بنذر العاصفة.

ولقد كان واضحاً أن أخطار الموقف الدولى ونذره تثير قلق شعبنا وشعوب أخرى تعلقت آمال مستقبلها بضرورة السلام. ولقد عبر المؤتمر العام للاتحاد القومى للجمهورية العربية المتحدة عن ضمير شعبنا، فى قراراته التى عالج فيها الموقف الدولى فى ختام دورة انعقاده الأولى، كذلك رددت بنفسى أصداء هذا القلق؛ سواء فى حديثى أمام المؤتمر العام للاتحاد القومى، أو أمام مجلسكم الموقر، الذى يعتبر - فضلاً عن تمثيله لشعبنا - مركزاً أمامياً لحركة القومية العربية، وقوة طليعية بين القوى الداعية والساعية إلى السلام.

وكان اتفاقنا جميعاً على أن الموقف الدولى - خصوصاً بعد فشل مؤتمر باريس، والظروف المؤسفة التى مهدت لفشله، والاحتمالات المخيفة التى نتجت عن هذا الفشل - قد وصل إلى درجة تحتم على جميع الذين يؤمنون بالسلام، بل بالحياة ذاتها، أن يعبئوا القوى فى جهد صادق مستميت لإنقاذهما. وكان هذا تصورنا للأمر حين تلقينا ذلك الاقتراح من "نيكيتا خروشوف"، وعلى هذا الأساس فلقد كتبت إلى عدد من الأصدقاء من رؤساء الدول الإفريقية - الآسيوية عموماً، والدول المؤمنة بسياسة الحياد خصوصاً، أشرح لهم خواطرى وأطلعهم على فكرى. ومن حسن الحظ أن هذه المشاورات أظهرت اتفاقاً كبيراً فى الخواطر والأفكار، ومن ثم بالتالى فى خطواتنا العملية المنسقة تنفيذاً لهذه الخواطر والأفكار.

وهكذا كان قرارنا جميعاً بالسفر إلى نيويورك، تحدونا الآمال فى أن تتمكن دول الحياد - بموقفها المتحرر عن الهوى وعن الخوف - من أن تضع جسراً على الهوة العميقة المتسعة بين الشرق والغرب، وأن تقف بينهما حائلاً دون الصدام، وأن تجد السبيل مساهمةً مع غيرها من دول العالم فى تعزيز فرص السلام القائم على العدل، وما لبثت تطورات الحوادث فى الكونجو - الذى يقع فى قلب القارة التى تقبع جمهوريتنا على بابها الشمالى - أن جاءتنا بدافع جديد يجعل رحلتنا إلى مقر الأمم المتحدة ضرورة محتمة من أجل مستقبل الأمم المتحدة ذاتها؛ ذلك أن تيار الحرية الوليد فى الكونجو واجه صدمة مؤلمة شلت حركته وأوقفت تقدمه فى الكونجو، وكان ذلك فى حضور الأمم المتحدة وتحت سمعها وبصرها؛ الأمر الذى يهدد هذه الهيئة التى نعلق أكبر الآمال عليها فى رعاية حركة التحرير، وقيادتها سلمياً إلى ما يحقق أهداف الشعوب المتطلعة إلى الأمل العريض.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

هكذا فى فجر اليوم الثالث والعشرين من سبتمبر الماضى، عبر وفد الجمهورية العربية المتحدة المحيط الأطلسى فى طائرة نفاثة عربية إلى مقر الأمم المتحدة فى نيويورك، بعد وقفة قصيرة فى مطار مدريد، أتاحت لنا الفرصة للاجتماع بالجنرال "فرانشيسكو فرانكو" - رئيس الدولة الأسبانية - وتبادل الرأى معه فى الموقف الدولى، وفى العلاقات العربية - الأسبانية. وكان استقبال وفد الجمهورية العربية المتحدة فى نيويورك ودياً وكريماً، وبرغم المصاعب التى أحاطت بوفود دول غيرنا، وهى المصاعب التى وجدنا لزاماً علينا أن نبدى رأينا فيها بصراحة لا تحرج فيها ولا حساسية، فى الخطاب الرسمى لوفدنا فى الجمعية العامة، فإن وفدنا لم يلق سواء من الناحية الرسمية الأمريكية أو من الناحية الشعبية إلا مظاهر الترحيب والصداقة، ولم تستطع أى من المحاولات الصهيونية أن تجد طريقها للتأثير على مهمة السلام التى ذهب إليها وفدنا فى نيويورك؛ كذلك لم تستطع أى من هذه المحاولات أن تحجب وجه الحقيقة عن الشعب الأمريكى، وما لبثت مدن أمريكية كثيرة وجامعات عريقة ومؤسسات شعبية كبرى أن تسابقت فى توجيه الدعوات إلى وفدنا؛ كى يقوم بزيارتها، والالتقاء خلالها مع جموع الشعب الأمريكى. ولقد كان اعتذارنا مع العرفان والتقدير إلى هؤلاء الأصدقاء جميعاً التزاما لنطاق الأمم المتحدة، وحرصاً على اعتبارها مجالاً محدوداً لدائرة عملنا حرصاً كاملاً وأميناً.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

لقد كانت هناك دعامات ثلاث ارتكز عليها عمل وفد الجمهورية العربية المتحدة:

أولاها: الخطاب الرسمى الذى ألقيته فى اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة فى صباح الثلاثاء السابع والعشرين من سبتمبر، وشرحت فيه موقف وطننا من جميع قضايا الحرية والسلام.

وثانيتها: الاتصالات السياسية التى امتدت ما بين يوم ٢٣ سبتمبر - يوم وصولنا إلى نيويورك - إلى يوم ٤ أكتوبر يوم مغادرتنا لها، وقد كان نطاقها شاملاً لجميع وجهات النظر. فلقد تكررت الاجتماعات وتعددت بين عدد كبير من قادة العالم وبينى وأخص بالذكر منهم، "دوايت أيزنهاور" رئيس جمهورية الولايات المتحدة الأمريكية، "نيكيتا خروشوف" رئيس مجلس وزراء اتحاد الجمهوريات السوفيتية، "وجوزيف بروز تيتو" رئيس اتحاد الجمهوريات اليوجسلافية، و"أحمد سوكارنو" رئيس جمهورية إندونيسيا، و"كوامى نكروما" رئيس جمهورية غانا، و"جواهر لال نهرو" رئيس وزراء الهند، و"هارولد ماكميلان" رئيس وزراء بريطانيا، و"فيدل كاسترو" رئيس وزراء كوبا، و"داج همرشولد" السكرتير العام للأمم المتحدة وغيرهم من رؤساء وفود الدول العربية والآسيوية والإفريقية والأوربية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وثالثتها: المساهمة الإيجابية فى الاقتراح الذى قدمه إلى الجمعية العامة خمسة من رؤساء الدول غير المنحازة، وطلبوا فيه استئناف الاتصالات بين الشرق والغرب، وهو الاقتراح الذى حاولنا أن نبلور فيه الرغبة العالمية فى تخفيف حدة التوتر على شكل خطوة عملية صغيرة، كذلك هو الاقتراح الذى نال موافقة إحدى وأربعين دولة منحته أصواتها بوحى إرادتها الحرة.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

وفيما يتعلق بالدعامة الأولى لنشاط وفد الجمهورية العربية المتحدة؛ هذه الدعامة التى تمثلت فى الخطاب الرسمى الذى ألقيته أمام الجمعية العامة كرئيس لوفدها، فإن هذا الخطاب قد أودع مكتب مجلسكم الموقر، فإذا جاز لى أن أستعرض أمام حضراتكم معالم هذا الخطاب الذى يتضمن المبادئ الأساسية فى خط سيرنا فى المجتمع الدولى، فإن هذه المعالم تتلخص فيما يلى:

أولاً: أكدت إيمان شعبنا بالأمم المتحدة، باعتبارها طريق التطور الدولى السلمى وطالبت باستمرار تدعيم وجودها على أساسين:

الأساس الأول: توسيع نطاقها لتضمن المزيد من المشاركة العالمية، وليكون بابها مفتوحاً أمام جميع الشعوب دون تحيز أو تعصب، وخصصت بالذكر هنا ضرورة إزالة جميع العقبات فى وجه اشتراك الصين الشعبية فى أعمالها.

والأساس الثانى: توكيد احترامها جنباً إلى جنب مع توسيع نطاقها؛ بحيث لا تصبح أداة فى يد دولة أو كتلة، وبحيث لا تكون ميداناً لمناورات الحرب الباردة، وإنما تكون كما أرادتها الشعوب التى وضعت ميثاقها تعبيراً عن تصميمها الأكيد على السلم القائم على العدل.

ثانياً: أكدت تنبه شعبنا للاستعمار، وتحفزه الدائم لمجابهته على أى صورة من صوره، وفى أى مرحلة من مراحل تطوره، وتحت أى قناع من الأقنعة التى يحاول التخفى وراءها، وأعلنت تصميمنا على مقاومته سواء فى وجوده كقوات احتلال، سواء فى تربصه وراء الأحلاف العسكرية، سواء فى محاولاته للتسلل وراء ألوان الحصار الاقتصادى وأشكال الحرب النفسية، أو كما فعل فى محاولته الأخيرة فى الكونجو، حين أراد أن يتخذ من علم الأمم المتحدة ذاته ستاراً يخفى وراءه مؤامراته الهادفة إلى إهدار استقلال الكونجو، وإلى تمزيق وحدته الوطنية.

ثالثاً: أكدت أن الأمر الواقع على الظلم لا يستحق أنفاس الحياة، وأن السلام الذى يقوم على العدل إنما هو فى واقع أمره هدنة مسلحة، وكان ذلك فى صدد التعرض لمشكلة فلسطين؛ تلك القطعة من الوطن العربى الغالى، التى أراد الاستعمار بجريمته فيها أن يمزق الوحدة الجغرافية للعالم العربى من ناحية، وأن يقيم لنفسه وسط العالم العربى من ناحية أخرى قاعدة يهدد منها الشعوب العربية.

رابعاً: أكدت أن تناسى الأمم المتحدة لمسئولياتها يشجع الطامعين على تناسى وجودها؛ الأمر الذى يهدد العالم بأفدح الأخطار، وكان ذلك بصدد الحديث عن الحرب فى الجزائر، التى مازالت المذابح فيها مستمرة منذ خمسة أعوام، دون أن تجد الأمم المتحدة فى نفسها القدرة على التصدى للاستعمار الفرنسى المجنون، وإيقافه عند حده.

خامساً: أكدت إيماننا بالسلام، واستعدادنا المتفانى لتوطيد إمكانياته، ورويت طرفاً من كفاح أمتنا فى هذا الطريق؛ سواء فى اتخاذ موقف عدم الانحياز طريقاً فى المجال الدولى، برغم كل ما واجهنا من صعوبات، أو فى المشاركة الفعالة فى مؤتمر باندونج، أو فى تقبل ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه حكماً فى تصرفاتنا الدولية.

سادساً: أكدت برنامج العمل من أجل السلام كما نشعر به فى أعماق الضمير الواعى لأمتنا؛ على أساس اعتبار مشكلة السلام والحرب مسئولية الشعوب جميعاً، يساهم كل منها بطاقاته المادية والمعنوية فى سبيل إيجاد حلول لها، اعتبار نزع السلاح ضرورة حتمية للسلام؛ على أساس تهيئة الجو الملائم أولاً، ثم التمهيد من ذلك إلى وضع الشروط والضمانات وتقرير المراحل والخطوات، اعتبار التفاوت الكبير بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة خطراً كبيراً على السلام، الذى لا يمكن أن يستقر إلا إذا ساد المجتمع الدولى نوع من العدل يقارب ما بين أفراده، اعتبار الحرية الاقتصادية للشعوب الجديدة أمراً لا يقل أهمية عن الحرية السياسية، وبدونه تصبح الحرية السياسية مظهراً فارغاً وأملاً ضائعاً.

سابعاً: أكدت استعدادنا لتحمل مسئولياتنا العالمية، وذلك بالعمل إيجابياً فى تطوير وطننا؛ سياسياً واقتصادياً وعربياً، ورسمت أمام الهيئة العليا لمجتمع الدول الكبير خطوط ثوراتنا الثلاث لتحقيق أهدافنا، وهى:

- الثورة السياسية التى عبرت عن نفسها بمقاومة الاستعمار.

- الثورة الاجتماعية التى عبرت عن نفسها بالعمل من أجل زيادة الإنتاج.

- الثورة العربية التى عبرت عن نفسها بعقيدة القومية العربية.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

أنتقل الآن إلى الدعامة الثانية لنشاط وفد الجمهورية العربية المتحدة؛ هذه الدعامة التى تمثلت فى الاتصالات السياسية التى قام بها وفد الجمهورية العربية المتحدة مع العديد من وفود الدول فى نيويورك، فإن هذه الاتصالات أثبتت حيويتها وفعاليتها، والواقع أنه ليس أجدى من الاتصال على المستوى الشخصى؛ فإن الزعماء مهما تباينت آراؤهم لابد أن يكتشفوا حين يلتقون معاً أن الإنسانية تصنع بينهم رباطاً يقدر على الصمود أمام أسباب الخلاف، وإنى لأسمح لنفسى أن أعرض على مجلسكم الموقر لمحات من الاتصالات التى قام بها وفد الجمهورية العربية خلال هذه الفترة فى نيويورك، محتفظاً بسلامة أسرار الدولة واعتبارات أمنها العليا.

أولاً: اجتمعت "بدوايت أيزنهاور" - رئيس جمهورية الولايات المتحدة الأمريكية - وقد شرح لى موقف بلاده من القضايا الدولية المتصلة بما تعرضت له الجمعية العامة للأمم المتحدة، وشرحت له موقف الجمهورية العربية من هذه القضايا، وانتقل حديثنا إلى الأمم المتحدة، فأكد لى رغبة بلاده فى تدعيمها، وأبديت له إيمان الجمهورية العربية المتحدة بميثاق الأمم المتحدة ومبادئها، كما شرحت له ما نراه من أخطاء فى تصرفات الأمم المتحدة فى الكونجو. ولقد حدثته فى نفس الوقت عن تجربتنا الناجحة مع الأمم المتحدة أيام العدوان على مصر، ثم قدمت له شكر شعبنا على موقفه وعلى موقف حكومته أثناء أزمة العدوان علينا. وتطرق الحديث بنا إلى قضايا الشرق الأوسط فأبدى رغبة بلاده فى مد يد الصداقة إلى بلادنا، وقلت له: إننا نبادله هذه الرغبة، ولكننا مع أسفنا البالغ نرى أن إسرائيل سوف تظل دائماً عقبة أمام أى تقارب بيننا، وأشرت إلى الأسلحة التى يبيعها الغرب لإسرائيل، فلما أبدى وزير الخارجية الأمريكية الذى كان يحضر اجتماعنا ملاحظة بأن أمريكا لم تقدم إلى إسرائيل غير بعض الأسلحة الدفاعية، قلت لـ "أيزنهاور": إن لنا نحن الاثنين - هو وأنا - من ماضينا العسكرى ما يجعلنا نؤمن أنه ليس هناك سلاح دفاعى وسلاح هجومى، وإنما السلاح كله أداة قتال.

وكانت مشاكل إفريقيا موضع اهتمام خاص فى حديثنا فقال لى: إن الولايات المتحدة أيدت الأمم المتحدة فى الكونجو، وأرسلت معوناتها إليه عن طريق الأمم المتحدة، وإنها لاتزال مستعدة لتقديم المزيد من المعونات، دون سعى ليكون لها مركز خاص تستطيع منه السيطرة على الكونجو، وشرحت له أن الجمهورية العربية المتحدة تهدف إلى تحقيق الاستقلال لدول إفريقيا، وأنه لابد أن تبتعد الحرب الباردة عن القارة الإفريقية، وأننا سوف نقاوم كل نفوذ استعمارى فى إفريقيا، ولقد كان لقائى مع رئيس جمهورية الولايات المتحدة الأمريكية فى جو ودى قائم على الصراحة الهادفة إلى إيجاد أساس حقيقى للفهم ما بين شعبينا، وإنى لأعتبر هذا الاجتماع خطوة بناءة فى سبيل إيجاد أساس يمكن للصداقة بين الشعب العربى وبين الشعب الأمريكى من أن تقف عليه فى ثبات واستقرار.

ثانياً: اجتمعت مرتين بـ "نيكيتا خروشوف" - رئيس وزراء الاتحاد السوفيتى - ولقد أتيح لنا خلال هذين الاجتماعين أن نجدد صداقة قديمة بيننا، قامت على الاحترام المتبادل من جانب كل منا لآراء الآخر ومعتقداته. ولقد كان الاجتماع الأول بيننا مخصصاً للموقف الدولى وتطوراته، والاحتمالات التى يمكن أن تسفر عن اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولقد لمست رغبة "خروشوف" الأكيدة فى محاولة إيجاد أساس للتعايش السلمى، وأحسست بأسفه الكبير للظروف التى أدت إلى فشل مؤتمر باريس الذى كان أول الداعين له والمتحمسين لعقده، وتطرق الحديث بيننا إلى عديد من الموضوعات الهامة، بينها موضوع نزع السلاح، وقضايا الحرية السياسية والاقتصادية فى إفريقيا وآسيا.

أما الاجتماع الثانى بيننا، فقد كان المحور الرئيسى له هو العلاقات المباشرة بين الاتحاد السوفيتى والجمهورية العربية المتحدة، وجرياً على أساس المصارحة الذى نتخذه قاعدة فى علاقاتنا الدولية، فلقد تعرضنا - وكان يجب أن نتعرض - للأزمة التى شابت العلاقات ما بين بلدينا خلال عام ١٩٥٩، ومع أن هذه الأزمة قد انتهت بمحاولة كل منا تفهم موقف الآخر، فقد كان لابد من التعرض لتطورات تلك الأزمة بالحديث الصريح؛ تمكيناً لأساس الصداقة بين بلدينا، وهو أساس نبذل جهدنا لتدعيمه وتقويته، إيماناً منا بأن علاقات الصداقة التى تربطنا بالاتحاد السوفيتى فضلاً عما تمثله كنموذج ممتاز للعلاقات بين الدول؛ مهما اختلفت معايير قوتها ومهما اختلفت النظم الاجتماعية فى كل منها.. فإن هذه العلاقات هى فى حد ذاتها من أبرز معالم السياسة الاستقلالية للجمهورية العربية المتحدة.

ثالثاً: تعددت الاجتماعات بين "جوزيف بروز تيتو" و"جواهر لال نهرو" وبينى، ولقد تكررت بيننا الاجتماعات الثنائية والاجتماعات الثلاثية، كذلك اشترك معنا "أحمد سوكارنو" و"كوامى نكروما"، وكانت المحاولة بيننا لإيجاد طريق تستطيع منه الدول المحايدة أن تباشر مسئوليتها وسط الجو الدولى العاصف، وتستطيع بالتالى خلاله أن تصنع التأثير الخير الذى يبلور الأمل فى السلام.

ولقد كان التلاقى فى وجهات النظر بيننا كاملاً وعميقاً؛ بفضل ما سبق بيننا من اتصالات ممتدة فى الماضى وأحلام فى المستقبل تتلاقى. ومن حسن الحظ أن استقر بنا البحث إلى اتخاذ اقتراح الجمهورية العربية المتحدة فى اجتماع "أيزنهاور" و"خروشوف" تحت علم الأمم المتحدة نواة لاقتراح جديد، وقعناه نحن الخمسة وتقدمنا به إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ كخطوة عملية أولى من أجل تخفيف حدة التوتر الدولى. ولقد كان من بواعث الأمل أن "أحمد سوكارنو" هو الذى قدم اقتراح الخمسة إلى الجمعية العامة، كما أن "جواهر لال نهرو" قاد معركة الدفاع عنه فى الجمعية بقدرة رائعة وارتفاع إلى مستوى الحوادث عظيم.

رابعاً: اجتمعت بـ "هارولد ماكميلان" رئيس وزراء بريطانيا مرتين؛ فلقد زارنى فى مقر الوفد الدائم للجمهورية العربية المتحدة، ثم رددت الزيارة قبل أن أغادر نيويورك، ولقد شمل حديثنا ثلاثة أقسام: قسم عن الموقف الدولى واحتمالاته، وقسم عن الموقف فى الشرق الأوسط وتطوراته، وقسم أخير عن العلاقات المباشرة بين الجمهورية العربية المتحدة وبين بريطانيا ومستقبل هذه العلاقات. ولقد شرح لى موقف بلاده فى هذه المواقف كلها، وشرحت له موقف بلادى، ولم أخف شيئاً، فليس عندى ما أخفيه؛ ذلك أن سياسة الجمهورية العربية المتحدة تلخصها كلمة واحدة هى كلمة الحرية، كما أن دبلوماسية الجمهورية العربية المتحدة تلخصها كلمة واحدة هى كلمة الحق.

خامساً: اجتمعت بـ "فيدل كاسترو" - قائد الثورة الكوبية مرتين - ولقد كان الحديث بيننا ممتعاً عن التجارب الثورية فى بلدينا، وإننا لنشعر دائماً برابطة قوية تجمعنا بكل الثوار، ونحس أن قلوبنا تنبض دائماً معهم، وأن اهتمامنا بتجاربهم الثورية إنما يرتكز على إيماننا بأن قضية الحرية واحدة، وعلى أننا فى الأصل والأساس شعب ثائر مازال يعيش ثورته ويحركها ويطورها، وتملأ صدره عزة الثوار.

سادساً: اجتمعت بالعديد من رؤساء وأعضاء وفود الدول العربية والآسيوية والإفريقية والأوروبية، ولقد كنت أتطلع إلى الاجتماع بالرئيس "سيكوتورى" رئيس جمهورية غينيا، وأخرت سفرى بالفعل من نيويورك يومين عن الموعد المحدد فى انتظار وصوله، فلما بدا أن تأخره سيطول قررت العودة، متطلعاً إلى فرصة أخرى تجمعنى بهذا الزعيم الإفريقى المناضل.

ولقد كان رائعاً أن نشعر بالتأييد العالمى لكل جهد يبذل من أجل السلام، وأن نشعر بأن الذين يناضلون من أجل الحرية لا يقفون فى المعركة وحدهم، وإنما الشعوب؛ شعوب الأرض كلها تقف معهم مؤمنة أن الحرية هى المفتاح الأصيل للسلام الدائم.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

ثم تبقى الدعامة الثالثة والأخيرة لنشاط وفد الجمهورية العربية المتحدة، وهى الدعامة التى تمثلت فى الاقتراح الذى قدمه إلى الجمعية العامة خمسة من رؤساء الدول المحايدة، وطلبوا فيه استئناف الاتصالات بين "أيزنهاور" و"خروشوف". ولقد شرفنا أن الجمهورية العربية المتحدة كانت إحدى هذه الدول الخمس، كما أن اقتراحها الأصلى فى خطابها الرسمى إلى الجمعية العامة كان النواة الأولى لاقتراح الدول الخمس، ولم يكن مهماً أن يمر هذا الاقتراح أو لا يمر؛ ذلك أن هذا الاقتراح حقق فى الدرجة الأولى معناه؛ فلقد بلور وجود دول الحياد كقوة داعية للسلام، وجمع هذا الوجود كقوة عاملة من أجل هذا السلام، وهذا هو الأمر الأهم والأبقى، فإذا ما دخل فى حسابنا أن إحدى وأربعين دولة من الدول الأعضاء فى الأمم المتحدة منحت هذا الاقتراح أصواتها فى مقابل ٣٧ دولة صوتت ضده، و١٧ امتنعت عن التصويت واثنتين غابتا عن جلسة الاقتراع، لرأينا أن الأغلبية من دول العالم ساندته ووقفت بجانبه، واعتبرته محاولة عملية فى الطريق الصحيح.

وإذا كان الاقتراح لم ينل أصوات الثلثين من مجموع الدول الأعضاء - كما تنص قواعد الإجراءات فى الأمم المتحدة - ليصبح قراراً رسمياً، فلقد تمت له القوة ليرسم معالم الطريق باعتباره إرادة الأغلبية، وهو ما نعتبره أهم من إجراءات الشكل وأبقى.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

ولقد ينتظر منى مجلسكم الموقر أن أتطرق بالحديث إلى محاولة أحد أعوان الاستعمار لمهاجمة الجمهورية العربية المتحدة، من فوق منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، وليس لى فى هذا الموضوع إلا ملاحظتين:

الأولى: أن هذه المحاولة لم تؤثر على موقف الجمهورية العربية المتحدة، وإنما كان تأثيرها على الذين قاموا بها؛ فلقد رأى العالم كله وسمع ما تعففت الجمهورية العربية المتحدة أن تتعرض له فى نيويورك، وهو أن الاستعمار مازال يستخدم العملاء والأعوان، يوجههم ضد أمتهم وضد أمانى شعوبهم.

والثانية: أن هذه المحاولة إنما هى نتيجة بديهية لطبيعة الأشياء، فإن الناس لا يستطيعون أن يكونوا إلا أنفسهم.. إن الأحرار لا يستطيعون فى أى مكان وزمان إلا أن يكونوا أنفسهم، كما أن العملاء لا يستطيعون فى أى مكان وزمان إلا أن يكونوا أنفسهم، والذين تقوم عروشهم على حراب المستعمر لا يملكون إلا أن يكونوا خداماً لهذه الحراب.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة:

بقيتم دائماً، وبقى الشعب الذى تتشرفون بتمثيله هنا، جنداً للحرية وطليعة لقوى السلام.

والسلام عليكم ورحمة الله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كلمة الرئيس جمال عبد الناصر فى مجلس الأمة

بتاريخ ١٢ أكتوبر١٩٦٠م.