كلمة الرئيس جمال عبد الناصر فى مؤتمر القمة الإفريقية فى أديس أبابا بإثيوبيا
جلالة الإمبراطور.. سيادة الرئيس.. أيها الأصدقاء الأعزاء:
من قرب مصب النيل جاء إلى هنا وفد الجمهورية العربية المتحدة متتبعاً مجرى النهر الخلاق واصلاً إلى منبع من أهم منابعه هنا فى هذا البلد العظيم.
فإذا كان بينكم - أيها الأصدقاء - من أبدى إعجابه فى هذه القاعة بكرم هذا الشعب الإثيوبى المجيد الذى استضاف هذا المؤتمر فى بيته وبدقة تنظيمه، وبالأمة التى بذلت كل جهدها ليتمكن المؤتمر من إنجاز مهمته فى سهولة ويسر، فلقد سبق لنا منذ سنين بعيدة، قديمة قدم التاريخ الإنسانى أن عرفنا كرم هذا البلد ودقة نظامه؛ يجئ إلينا فيضاناً فى كل عام مع مجرى النيل الخلاق، ويجئ إلينا فى موعده دائماً لا يتخلف عنه ولا يتأخر. هكذا إثيوبيا أرضها وشعبها وإمبراطورها الذى أعطى لهذا المؤتمر من رعايته وجهده ما نراه جميعاً ونقدره ونقابله بالشكر والعرفان العميق.
أيها الأصدقاء:
أرجو أن تأذنوا لى باختصار هذا الحديث إلى أقصى حد مستطاع؛ فالواضح لى مما سمعت حتى الآن أن أفكارنا جميعاً تدور فى نفس الأفق، وتتلاقى نظراتنا على نفس الاهتمامات، ولقد تجلى ذلك فى الاتفاق السريع الذى توصل إليه وزراء الخارجية الذين سبقونا إلى هنا، وقاموا بجهد يستحق التقدير، تمكنوا به من الوصول إلى مشروع جدول الأعمال الذى يضم عديداً من القضايا التى تشد اهتمامنا وتشغل بالنا، ومن حولها دارت وعليها التقت نظراتنا فى هذه الجلسات.
ومن هنا فنحن نشعر الآن أن الوقت قد حان لتحويل كل ما نفكر فيه ونتطلع إليه إلى خطة عمل، وإذا سمحتم لى فإن تصورى للمهمة التى تنتظر عملنا هنا يسير على النحو التالى:
أولاً: تعتبر الجمهورية العربية المتحدة أن القارة الإفريقية تواجه اليوم أخطر مراحل نضالها، وإذا كنا نقول إن أعلام الاستقلال التى ارتفعت على أرض القارة خلال السنوات الأخيرة دليل على إن ميلاد الحرية قد تحقق، فإن الميلاد وحده، حتى بمعجزته الباهرة، لا يكفى؛ فإن الحرية لابد أن تنمو، ولابد أن يكون نموها صحيحاً وكاملاً وقادراً على مواجهة مسئوليات الحياة فى عصرها.
من هنا.. بعد معجزة الميلاد فإن القارة تواجه الآن - فى رأينا - تحديات الحياة وعليها - وسط ظروف صعبة - أن تؤكد صلاحيتها للبقاء وللنمو، وأكثر من ذلك قدرتها على تجديد الحياة ذاتها وتطويرها.
ولست أظننى فى حاجة إلى تفصيل هذه الظروف الصعبة، ولعله يكفينى أن أشير إليها وبينها ما يطل على القارة من خارجها، وبينها ما يقبع على أرض القارة ذاتها.
من خارج القارة.. هناك الاستعمار الذى لم يقض عليه القضاء النهائى والكامل فى كل أجزاء القارة، والذى مازال يعاند بشراسة فى بعض هذه الأجزاء، وفى بعضها الآخر يحاول أن يتنكر وراء أقنعة مزيفة. وهناك الاضطهاد العنصرى والتفرقة يفرضهما على بعض أجزاء القارة هؤلاء الذين ينهبون ثرواتها ويسترقون عملها ومع ذلك لا يتورعون عن دوس كرامتها فى أول مظاهرها الإنسانية. وهناك التستر وراء الأحلاف العسكرية لاتخاذ أراضى الشعوب قواعد لتهديدها. وهناك محاولات اصطناع أدوات للاستعمار جديدة ومبتكرة، تتسلل حتى وراء أعلام الأمم المتحدة التى جرت من تحتها فى الكونغو - خلال أزمته العنيفة - تلك المأساة المروعة التى راح ضحيتها الثائر الإفريقى الشهيد "باتريس لومومبا". وحتى تحت ستار تقديم المعونات لشعوب القارة وقعت محاولات التسلل، وهناك الإصرار على تحويل القارة إلى مجرد مخزن للمواد الخام بأسعار لا تكفى لسد جوع أهلها بينما الفائدة كلها تذهب إلى البلاد المستوردة التى تحاول أن تجعل من تقدمها الصناعى والعلمى شبه استعمار من نوع جديد من حيث هو استغلال غير عادل لثروات الغير دون مشاركة منصفة. وهناك الوصول إلى حد اتخاذ أراضى شعوب القارة ميداناً للتجارب الذرية بغير رضا هذه الشعوب وخلافاً مع آمالها فى السلام، وتهديداً مباشراً لها حتى فى الهواء الذى تستنشقه على ترابها الوطنى. وهناك عمليات اغتصاب أراضى الشعوب وتحريمها على أصحابها الشرعيين وإباحتها لمستوطنين جاءوا من بعيد ورفضوا أن يكون لهم حق الضيف وراحوا - استعلاء وإرهاباً - يفرضون جبروت السيد. وهناك عمليات التضليل بالشعارات حتى العدل وحتى السلام أريد لهما أن يخضعا لضرورات الأمر الواقع، ولا يمكن أن يكون سلام بغير عدل؛ فإن قبول الأمر الواقع بغيره معناه الرضا بالاستسلام، وذلك أبعد الأشياء عن السلام.
وعلى أرض القارة ذاتها ظروف صعبة أخرى، وإذا كانت الأرض الإفريقية عدلاً لا تتحمل مسئوليتها فإن عليها واجباً أن تجد لها أفضل الحلول بصرف النظر عن توزيع المسئوليات. هناك مثلاً مشكلة التخلف المروع الذى تعيش فى آثاره أغلبية شعوب القارة، وهو يصنع تفاوتاً مخيفاً بين مستويات المعيشة على أرضها ومستوياتها على قارات أخرى سبقت إلى التقدم. وهذه مشكلة لا تمس كرامة القارة وحقوقها المشروعة فحسب؛ وإنما هى ذات أثر خطير على السلام العالمى فكيف يمكن أن يستقر سلام بين الغنى الفاحش وبين الفقر المدقع فى عالم تلاشت فيه المسافات؟ وهناك مشكلة التفاوت الاجتماعى داخل الوطن نفسه، وهو وضع لابد أن يصحح نفسه بتطبيق معايير أكثر عدلاً تمنح المواطنين داخل الوطن الواحد فرصة متكافئة للحياة. وهناك مشاكل التنمية لمواجهة آثار التخلف ولمواجهة ضرورات العدل الاجتماعى وبينها مشاكل التخطيط والتمويل والخبرة وفى هذه المجالات كلها تحتاج القارة إلى كثير من المعونات.
وللجمهورية العربية المتحدة نظرة فى مسألة المعونات الخارجية تراها حقاً للشعوب المتخلفة على الذين سبقوا فى التقدم؛ حقاً يستند إلى التكافل الإنسانى وإلى تدعيم السلام، بل إن الجمهورية العربية المتحدة ترى هذه المعونات ضريبة واجبة الأداء على الدول الكبرى ذات التاريخ الاستعمارى - قبل غيرها - تعويضاً عن النهب الذى تعرضت له، ومازالت تتعرض له، شعوب عديدة فى إفريقيا وآسيا نزحت ثرواتها نزحاً منظماً ليكون الرخاء حكراً لغيرها ويبقى لها احتكار الفقر.
وإذا كان هناك من يطالبنا بأن نغفر الماضى فنحن على استعداد من أعماق قلوبنا للغفران لكننا على غير استعداد للنسيان، نغفر ولكن لا ننسى، نطوى الصفحة القديمة بالتسامح لكننا نخطئ لو طويناها بالسذاجة.
وهناك مشاكل الحدود بين دول إفريقية عديدة وهى حدود نعرف كلنا كيف رسمت فى بعض الأحيان وكيف جرى تخطيطها.
وهناك الرواسب القديمة التى تركت بقعاً عديدة مظلمة على وجدان قارتنا، والتى تحتاج الآن إلى جهود هائلة فى مجالات التربية والتعليم والثقافة لكى يتم تحرير الإنسان الإفريقى من كل الأغلال غير المنظورة التى تكبله وتحد من حركته.
وحتى مواجهتنا لهذه الظروف الصعبة من خارج القارة وعلى أرضها تتم فى جو يزيد الصراع ضدها حدة وخطورة. إننا نمارس صراعنا من أجل تطوير الحياة فى مواجهة تيارات عنيفة؛ هناك القوى صاحبة المصالح فى فرض التخلف علينا وهى لا تتورع عن المضى إلى حد تحريض الأخ على أخيه تزرع الشكوك لكى تترك لنا حصاد الكراهية.
وهناك تيارات الحرب الباردة وشدها وجذبها. ثم نحن نعيش فى عالم تلاشت فيه المسافات بسبب التقدم العلمى الكبير خصوصاً فى وسائل المواصلات، الأمر الذى نقل معارك الحرب الباردة إلى بيوتنا ذاتها وإلى قلوب الناس وعقولهم داخل البيوت. ومن نتيجة ذلك فنحن نعيش فى عالم متفتح بالاحتمالات.. عالم زادت فيه مطالب الإنسان الحقة والمشروعة بدون زيادة فعالة ومؤثرة فى إمكانياته تسمح بتوفر هذه المطالب الحقة المشروعة، ولا يمكن الوصول إلى قرب الوفاء بآمال البشر الواسعة الا بعمل منظم يقتضى تعبئة وطنية تقوم بالإرادة الديمقراطية للشعوب ويفرض عليها - بالرضا والوعى - تضحيات لا مفر منها قبل مرحلة الانطلاق، كل ذلك تحت أحكام الحرب الباردة ومخاطرها.
ثانياً: تعتبر الجمهورية العربية المتحدة أن هذه المرحلة من النضال الإفريقى التى عرضت أمامكم بقدر ما أستطيع من موضوعية لا تجنح إلى التشاؤم، ولا تترك نفسها للتفاؤل الحالم لمحات من وجوهها المختلفة تقتضى أول ما تقتضى وجود إرادة إفريقية حرة واحدة، وليس من جدال أن هذا المؤتمر - فى حد ذاته - هو دليل على وجود إرادة إفريقية حرة وواحدة، وهكذا فإن مجرد انعقاد هذا المؤتمر لا يقل أهمية عن أية قرارات تصدر عنه.
إن هذا المشهد الذى نراه من حولنا فى هذه العاصمة الجميلة أديس أبابا مشهد تاريخى لا ينسى، وستظل القارة لأجيال قادمة تتطلع إلى هذا الاجتماع باعتباره نقطة تحول حاسمة فى تقدم العمل الإنسانى.
إن مجرد انعقاد هذا المؤتمر دليل كما قلت على وجود إرادة إفريقية حرة وواحدة، فنحن لم نصل إلى هنا صدفة ولا وصلنا بسرعة، وإنما جئنا من طرق عدة، واستغرق مجيئنا محاولات تمكنت أخيراً من تحقيق نفسها؛ لأنها تصدر عن نداء للوحدة غلاب لا نستطيع مقاومته ولا استطاع غيرنا أن يصدنا عنه، يؤكد ذلك أن جميع التنظيمات أو التجمعات التى قامت فى القارة لمواجهة مراحل سبقت من تطور العمل الإفريقى - فى ظروفه وملابساته المتنوعة - قد أدركت أن الوقت حان لتلاقيها معاً وبغير تحفظات لكى تكون من لقائها إرادة إفريقيا الحرة الواحدة، ويؤكد ذلك أن جميع التقسيمات التقليدية التى حاول الاستعمار فرضها على القارة وتمزيقها إلى شمال الصحراء وجنوب الصحراء، إلى إفريقيا بيضاء وسوداء وسمراء، إلى شرق وغرب إلى إفريقيا ناطقة بالفرنسية وأخرى ناطقة بالإنجليزية قد انهارت جميعها وجرفتها الحقيقة الإفريقية الأصلية، ولم تبق على أرض إفريقيا غير لغة واحدة هى لغة المصير المشترك مهما اختلفت أساليب التعبير.
ثالثاً: أصل بعد ذلك إلى نقطة ثالثة وأخيرة.. لقد قلت أولاً بأن القارة تواجه أخطر مراحل نضالها، وأنها بعد معجزة الميلاد تواجه مسئولية الحياة والنمو والبقاء القوى، وقلت ثانياً أن مجرد انعقاد هذا المؤتمر دليل على وجود إرادة إفريقية حرة وواحدة، وأقول ثالثاً إن هذه الإرادة الحرة الواحدة تحتاج إلى عقل منظم وإلى أعصاب محركة؛ لتستطيع أن تصمد لما يواجهها من تحديات، ولتقدر على التقدم بكفاية إلى الآمال الإفريقية العظمى، وهذه هى المهمة التى تنتظر عمل هذا المؤتمر وجهوده.
لست أقول إنه لابد من سويس أخرى فى كل مكان يتمركز فيه الاستعمار لكنى أقول: ان نوايانا الطيبة وحدها لا تكفى حتى وإن ساندها الضمير العالمى الذى تتعاظم قوته يوماً بعد يوم، وهكذا فإن مسئولياتنا تفرض علينا الاستعداد لكل الاحتمالات، ولابد للاستعداد من عقل منظم وأعصاب محركة.
والتمييز العنصرى والاضطهاد لن يكفى للقضاء عليهما أنهما إهانة للإنسانية كلها فى هذا العصر وفى كل عصر، وإنما لابد من مقاومة باسلة بكل الوسائل والطرق حتى الوصول إلى سلاح المقاطعة الكاملة نقلب بها دفة الأمور، ونحول الذين أرادوا فرض العزل على شعوب إفريقيا فى أرضها إلى جيوب معزولة عن الإنسانية مطرودة خارج نطاق التعاون الدولى. ولابد للمقاطعة الفعالة بكل الوسائل والطرق من عقل منظم وأعصاب محركة.
وبقية المشاكل التى نواجهها من خارج القارة تقتضى نفس الشىء؛ الأحلاف العسكرية لن تسقط تلقائياً كأوراق الخريف، ونهب الموارد الخام لن يكتفى ولن يصل إلى حد الشبع، ولن يقبل المتوطنون رضى بحق الضيف تنازلاً عن جبروت السيد، لكن إفريقيا تواجه فى كل مشكلة من هذه المشاكل معركة تحتاج إلى عقل منظم وإلى أعصاب حساسة. كذلك مشاكلنا القابعة على أرض القارة؛ مشاكل التخلف فى كل الأوطان الإفريقية، ومشاكل التفاوت الاجتماعى داخل كل وطن إفريقى، ثم مشاكل التنمية والحدود والتعليم كلها تحتاج نفس الشىء.. عقلاً منظماً وأعصاباً حساسة مادمنا جميعاً نراها بنفس النظرة، ونؤمن بضرورة إيجاد حلول لها. وبنفس المقياس مسئوليات إفريقيا تجاه السلام العالمى، وليس معنى ذلك لدقيقة واحدة أن تتحول إفريقيا إلى كتلة دولية أو أن ينعزل العمل الإفريقى عن حركة التقدم الإنسانية كلها، ذلك أخر ما نفكر فيه أو نطلبه، بل نحن نعتبر الوصول إلى هذا المدى تعصباً لا نقدر على تحمل نتائجه.
ومن حسن الحظ أن اجتماعنا فى هذه القاعة من قاعات الأمم المتحدة يذكرنا دائماً بأن ما نتطلع إليه هو امتداد لآمال الأمم التى أقامتها ووقفت لحمايتها أمام كل خطر يتهددها، وإنما الذى نريده كما قلت هو عقل إفريقى منظم، وأعصاب إفريقية محركة توجه الإرادة الإفريقية الحرة والواحدة لمواجهة المشاكل والتحديات التى تعترض طريق القارة وتحد من قدرتها على تطوير حياتها وبالتالى تقلل من إسهامها فى حركة التقدم الإنسانى.
هذه هى المهمة التى تنتظر هذا المؤتمر، وبمقدار نجاحه فيها بمقدار وفائه بمسئولياته التاريخية تجاه إفريقيا وتجاه الإنسانية، عقل وأعصاب للإرادة الإفريقية الحرة والواحدة.. عقل يملك الحكمة والشجاعة معاً، يقاتل كبناء ويبنى كمقاتل، يقاتل بقدرة البناء وصبره، ويبنى بحماسة المقاتل واندفاعه، وأعصاب تملك الجرأة والخيال، تواجه المخاطر وتملك الإرتفاع برؤاها لترى الآفاق الواسعة والجديدة بإمكانيات التطوير الخلاقة.
هذه - قبل غيرها - مسئولياتنا هنا.. مشاكلنا لا تحتاج إلى تحديد جديد كلنا نراها، إرادتنا الواحدة لا تحتاج دليل على وجودها، كلنا فى هذه القاعة ما نحتاجه هو محركات توليد الطاقة من آمالنا الضخمة، من إمكانياتنا غير المحدودة وتوجيهها، وهنا حاجتنا إلى العقل المنظم والأعصاب المحركة، لتكن جامعة إفريقية وليكن ميثاقاً لكل إفريقيا، لتكن اجتماعات دورية لكل رؤساء دول إفريقيا وممثليها الشعبيين، ليكن أى شىء.. شىء واحد لا تريده الجمهورية العربية المتحدة.. هو أن نخرج من هنا بألفاظ حماسية أو بواجهات تنظيمية شكلية، فى هذه الحالة نخدع أنفسنا ولا نخدع غيرنا، وفى هذه الحالة نسئ إلى إفريقيا وإلى السلام، بل فى هذه الحالة نكون قد ضيعنا ما نملكه فعلاً وهو رؤية مشاكلنا واجتماع إرادتنا.
أيها الأصدقاء الأعزاء:
لتكن جامعة إفريقية.. لقد نادى بذلك ميثاق العمل الذى أقره المؤتمر الوطنى للقوى الشعبية المنتخب ديمقراطياً فى الجمهورية العربية المتحدة، والذى تم إقراره فى شهر يونيو من العام الماضى؛ ليكن ميثاقاً لكل إفريقيا.. لتكن اجتماعات على كل المستويات الرسمية والشعبية كما سمعنا هنا من عدد من الأصدقاء، ليكن أى شىء ولكن لابد أن يكون شيئاً حقيقياً، ولنعهد إليه بما نشاء من خطط، لنحدد موعداً نهائياً لتصفية الاستعمار، لنضع مشروعات للتعاون الثقافى والعلمى، لنبدأ فى تنسيق تعاوننا الاقتصادى نحو سوق إفريقية مشتركة.
كل ذلك - وغيره - ينتظر جهودنا، لكنه كله يحتاج إلى العقل المنظم والأعصاب المحركة، ولنذكر دائماً أن أى تنظيم نقيمه ليكون عقلاً وأعصاباً للإرادة الإفريقية لن يتم بناء الوحدة الإفريقية بين يوم وليلة، وإنما هو سوف يستلهم دائماً أمانيها، ويرسم خطط تحقيقها بما تملكه من إمكانيات، ويتابع تنفيذها باليقظة الساهرة وهو فى هذا لا يعبر عن وحدتها فحسب، وإنما هو يزيد من عمق إحساسها بالوحدة؛ أى أنه ينبع من أمل الوحدة ويضاعف تلقائياً من فاعليتها بممارسة التجربة الحية.
أيها الأصدقاء الأعزاء:
إن الجمهورية العربية المتحدة أتت إلى هنا بقلب مفتوح، وعقل مفتوح، وتقدير للمسئولية مفعم بالنية الصادقة وهى مستعدة أن تتحمل إلى كل الحدود مسئولياتها التاريخية تجاه قارتنا الإفريقية. لقد جئنا إلى هنا بغير أنانية حتى المشكلة التى نعتبرها من أخطر مشاكلنا وهى مشكلة إسرائيل، والتى رأت معنا دول مجموعة الدار البيضاء - بحق - أنها أداة من أدوات التسلل الاستعمارى فى القارة، وقاعدة من قواعده العدوانية لن نطرحها للمناقشة فى هذا الاجتماع، مؤمنين بأن تقدم العمل الإفريقى الحر سوف يكشف الحقيقة يوماً بعد يوم بالتجربة ويعريها من كل زيف أمام الضمير الإفريقى.
هكذا جئنا إلى هنا بغير تحفظات، بغير مطالب، إننا نؤمن أن العمل المشترك سوف يجيب حاجتنا إلى أى تحفظات، ونؤمن أن نجاح هذا العمل المشترك سوف يفى بكل مطالبنا.
أيها الأصدقاء الأعزاء:
فى هذا المؤتمر الذى يمثل بمجرد انعقاده وجود إرادة إفريقية حرة وواحدة، فإن وفد الجمهورية العربية المتحدة على استعداد لبذل قصارى جهده بأمانة وإخلاص فى سبيل التوصل إلى الصيغة التى تجعل للإرادة الإفريقية الحرة والواحدة عقلاً منظماً وأعصاباً محركة. بذلك يتحقق لإفريقيا كل أملها الإفريقى فى الحرية والكرامة، بل يتحقق لإفريقيا كل أملها الإنسانى فى السلام القائم على العدل.
وسلام عليكم، وبوركت جهودكم.