كلمة البكباشى جمال عبد الناصر فى جامعة الإسكندرية أثناء زيارة أعضاء مجلس قيادة الثورة لها عام ١٩٥٣
إن وجودى بينكم اليوم - أيها الزملاء - يعود بى إلى الماضى البعيد؛ إذ كنت طالباً فى الجامعة مثلكم، أشعر بشعور طلبة الجامعة وأحس بإحساسهم. وقد عادت بى الذاكرة اليوم إلى تلك الأيام فى سنة ١٩٣٥؛ إذ كنت طالباً بجامعة القاهرة، عادت بى الذاكرة إلى زملاء لى ولكم استشهدوا فى سبيل الوطن وفى سبيل العقيدة؛ حينما لم يجدوا أمامهم سبيلاً سوى الاستشهاد. وإنى أذكرهم دائماً - أيها المواطنون - وأذكر الطريق الذى ساروا عليه، وأمامنا الآن طريق لن نتوانى فى السير فيه لتحرير بلادنا ووطننا، أو نلحق بمن سبقونا فى طريق الاستشهاد.
طالما هتفنا وتنابذنا وتناصرنا، وبدأنا الطريق ولم نكمل الطريق، طالما خرجنا بصدورنا عارية نطالب بالحرية والاستقلال متكاتفين متحدين، متسلحين بالإيمان بمطالبنا الوطنية أو الاستشهاد فى سبيل تحقيق أمانى البلاد، ولكن لم نستطع أن نسير فى الطريق حتى نهايته؛ لأن الخيانة قامت تعمل عملها وتفسد ما عملنا، فرجعنا عن أهدافنا.
كان الطريق أمامنا شاقاً طويلاً، والصعاب تكتنفه من جميع الجوانب، وتلفتنا نبحث عن سبيل لتحريرنا فلم يكن أمامنا سوى سبيل وحيد؛ هو الجيش.
وتعاون بعض إخواتكم فى الجيش لا فى سبيل أغراض خاصة بأشخاصهم، فقد كنا مرتاحين فى عملنا، وفى مستوى اجتماعى أعلى مما حولنا، وكان فى إمكاننا أن نسير فى طريق الراحة والدعة، ولكنا كنا نشعر بآلامكم، ونعد أنفسنا لليوم الذى نقوم فيه جميعاً لنسير معاً، ولنحرر أنفسنا أولاً ووطننا ثانياً.
أيها الزملاء:
يجب ان ننظر الى ماضينا ولا ننساه، ولنتخذ من كل ما رأينا فيه عبرة وعظة، فإن نسينا هذا الماضى، فسوف نعود ثانية الى الاستسلام والذلة. إننى أحب كثيراً أن اتكلم عن الماضى حتى لا ننساه هو وعبره، فإذا فعلنا استطعنا أن نسير فى طريق الحرية والاستقلال.
نعم انظروا الى الماضى، إن فيه تنابذاً وفرقةً وخصاماً، حتى استطاع المستعمر - بمعاونة خونة من المصريين - أن يتحكم فى حريتنا وكرامتنا ومقدراتنا، إلى أن استسلمنا لليأس والرعب والخوف، وبقدر ما استسلمنا وخفنا فى الماضى يجب أن نتكاتف جميعاً للسير فى الطريق. لقد مكنا حفنة من الناس لا تحس باحساسنا وآلامنا أن تتحكم فينا وفى رقابنا.. لقد استبدوا بنا.. واتخذونا مطية لأغراضهم، بدءوا بالدعوة إلى الوطنية وانتهوا الى التفكير فى أنفسهم وشهواتهم فقط، لذلك بدءنا - نحن رجال الجيش - نشعر بآلامكم وعذابكم؛ فحررنا الوطن من هؤلاء الخونة.
إن التخلص من الملك السابق لم يكن هدفنا الأول، فإنه هدف تصغر أمامه فكرة الثورة، ولكن كان هدفنا أن نحل نظاماً سليماً محل نظام فاسد.
وأكرر ثانياً: إننا لن ننسى الماضى، ولن نسمح بعد لعقارب الساعة أن تعود الى الوراء، فاليوم ليس بيننا خائن يمكن المستعمر من أن يتتبع وسائلة القديمة البالية ونحن فى طريق الجهاد.
كان أول هدف للضباط الأحرار التخلص من الاستعمار وأذنابه من الخونة المصريين، واليوم وقد تخلصنا من أذناب المستعمر نسير فى طريقنا للتخلص نهائياً من الاستعمار. وإنى واثق بأنه إذا اتحدنا ولم نمكن أى خائن منا، فلن يبقى للاستعمار أية فرصة للبقاء بيننا.
طالما هتفنا كثيراً فيما مضى، فماذا كانت نتيجة الهتاف؟ لقد كانت النتيجة أن تفرقنا وتخاصمنا وتنابذنا، وبذلك مكنا فئة قليلة من الناس من التحكم فينا.
ليس بالهتاف تتحرر الأوطان، ولكن بالعمل وحده، إننا ندعوكم إلى العمل المنظم حتى نحرر وطننا. اعذرونى إذا وجهت كلامى إلى عدد قليل منكم؛ فإن أهل اليمين وأهل اليسار أيضاً قد هتفوا كثيراً، وتحمسوا كثيراً، وإنى معجب بتحمسهم، وأرجو أن يتحمسوا للوطن بهذا الشكل. إنى أقولها لكم كلمة صريحة: إن الوطن يحتاج إلى كل فرد منكم، نريدكم جميعاً أن تعملوا معنا؛ فإننا جميعاً مصريون ولنا هدف واحد.
إننى أسمع كثيراً من الهتاف عن حرية الرأى، وهذه فرصة أتحدث فيها إليكم عن عدة موضوعات، فإن حرية الرأى مكفولة للجميع، ولكن للحرية حدوداً، فإن الحرية مكفولة للمواطنين، ولكن لن نستطيع أن نعطى الحرية للخونة حتى يسيروا فى طريق الخيانة، وإلا كنا قد خنا وطننا والأمانة التى نحملها على عاتقنا.
ولطالما قاسينا من الخيانة.. فكيف تطالبوننا بأن نسمح للخيانة من أن تتمكن منا فيباركها المستعمر الغاصب حتى تقضى علينا جميعاً؟!
أما الهتاف الثانى فقد كان عن الأحكام العرفية والمعتقلين السياسيين، وأظن أن أكبر دليل على أننا لا نستخدم المعتقلات ولا الأحكام العرفية إلا للمحافظة على سلامة الوطن، هو أن هذه الحفنة موجودة بيننا الآن، وأنهم يقفون أمامنا ولا يخشون الأحكام العرفية والمعتقلات السياسية.
إننا نريد أن نسمع منكم ما فى صدوركم، فنحن بحاجة إلى كل منكم، ولن نتنازل عن أى فرد منكم، فالوطن يحتاج إلينا جميعاً؛ ولذلك رأيت أن أرد على هتافاتكم.
أما عن الهتاف الثالث؛ وهو خاص بمسألة النقطة الرابعة، فإنى أقول لكم إن الاستعمار أو الاستغلال أو التحكم فى الرقاب لن يكون إلا إذا ساعدناه وتفرقنا ومكناه، أما إذا تماسكنا وتكاتفنا، ولم نسمح لأى مستعمر بأن يستغلنا؛ فإننا لن نمكن أية دولة أجنبية من أن تتحكم بنفوذها فينا.
إننا نقاسى من الاستعمار العقلى والفكرى والمادى، ويجب أن نتخلص من هذا الاستعمار جميعاً، لقد أثر علينا "دنلوب" جميعاً فى طريقته فى التعليم؛ فإن هناك شباباً متعلمين غير عاملين، إنهم يتكلمون وينتقدون ولا يفعلون شيئاً، وهذه الطريقة هى أُسْ الاستعمار، فيجب أن نتخلص أولاً من الاستعمار الفكرى والعقلى.
أدعوكم اليوم أن نتحد جميعاً فى سبيل تحرير وطننا، وأذكر فرنسا فى محنتها إذ كان بها ١٧ حزباً عندما كانت محتلة بالألمان، فاتحدت كل تلك الأحزاب فى حركة المقاومة، وأخذت تقاوم المحتل يداً واحدة، حتى إذا ما حققت هدفها عاد كل منها إلى نهجه وأسلوبه.
وإننا بعد أن نتحرر يكون لكل فرد منا أن يسير فى النهج الذى يراه، أو الحزب الذى يختاره.