عبدالناصر الذي لا يريدونك أن تعرفه

عبدالناصر الذي لا يريدونك أن تعرفه
عبدالناصر والمثقفون والثقافة:
كانت فكرة الحياد تعرض نفسها على جمال_عبدالناصر، لكنه بحكم خلفيته العسكرية كان لا يزال فكريا يواجه سؤالا لم يجد له جوابا نهائيا.
بخلفيته العسكرية كان يرى صعوبة موقع مصر الجغرافي وحساسية هذا الموقع، وكان يساوره شك في أن أوضاع العالم الراهنة وموازين القوى فيه يمكنها أن تسمح لمصر بحياد موقعها الجغرافي وتتركها في أمان داخله.
وهكذا فإنه في تلك الأيام كان دائم البحث عمن يستطيعون تأصيل فكرة الحياد بالتطبيق في ظروف مصر، ولقد قاده هذا البحث إلى علاقة توثقت مع السفير الهندي الذي عين في القاهرة بعد الثورة وهو السردار «بانيكار»، وكان السردار بانيكار مثقفا هنديا من الطراز الأول، وكانت تجربته في حكومة الهند حتى قبل الاستقلال تجربة غنية وزاخرة، وكان أخر منصب تولاه بانيكار قبل تعيينه في القاهرة هو منصب سفير الهند في الصين الشعبية، وقد راح جمال عبد الناصر يدعو بانيكار إلى لقاءات معه ويسمع منه ما لديه عن مبدأ الحياد الذي التزمت به الهند رغم عضويتها في الكومنولث في ذلك الوقت.
وانكب جمال عبد الناصر في تلك الفترة على قراءة كتاب ألفه «بانيكار» وكان يعتبر من أهم الكتابات السياسية، تحت عنوان (آسيا والسيطرة الغربية)، وأكثر من ذلك، فقد طلب عبد الناصر ترجمة الكتاب إلى اللغة العربية وتوزيعه على مجلس قيادة الثورة ليقرأوه معه، ثم طلب طبعه ونشره للرأي العام في مصر.
وكان «بانيكار» يرتبط بصداقات عريضة مع قطاعات من المثقفين البريطانيين من أصول فابية، وكان كثيرون منهم من إعضاء حزب العمال البريطاني أو من ممثليه في مجلس العموم، وراح جمال عبد الناصر يشجع بانيكار على دعوة أكبر عدد منهم إلى مصر.
وفي هذه الفترة التقى جمال عبد الناصر أيضا لأول مرة بواحد من رواد فكرة حياد مصر، وهو الدكتور محمود عزمي، وراح يناقش معه على جلسات طويلة وبالتفصيل أسس دعوته إلى الحياد وكيف يمكن تطبيقها على موقع مصر الجغرافي، وكان محمود عزمي يخرج من جلساته مع عبد الناصر ليكتب له دراسات مستفيضة عن كل جوانب الموضوع ثم يعود لمناقشتها معه(وفيما بعد قرر عبد الناصر تعيين الدكتور محمود عزمي - وهو من الرعيل الأول من المثقفين المصريين- رئيسا دائما للوفد المصري في الأمم المتحدة).
ملفات السويس، محمد حسنين هيكل