كلمة الرئيس جمال عبد الناصرفى معسكر الساحات الشعبية والكشافة بالإسكندرية عام ١٩٥٩
أيها الإخوة:
لقد أسعدتنى زيارة هذا المعسكر الذى رأيت فيه المثل لما أتمناه من معسكرات تجمع الشباب من جميع أنحاء الجمهورية، وتجمع الأطفال وتجمع الفتيات حتى يجد كل فرد من أبناء جمهوريتنا الوقت اللازم للراحة والوقت اللازم للترفيه.
وأنا أرجو أن أرى فى المستقبل المزيد من هذه المعسكرات، وأرجو أن تتسع هذه المعسكرات للعديد من أبناء الجمهورية؛ بحيث تكون كل مؤسسة لها معسكر ليستطيع العمال انهم ييجوا يمضوا فترة فى هذا المعسكر - والموظفين - للراحة أو للنقاهة أو للترفيه، ودا شىء بينقصنا.
لازالت المصايف عندنا بتمثل ناحية واحدة من نواحى المجتمع؛ ناحية القادرين. احنا يجب أن نتعاون، ودا المجتمع بتاعنا مجتمع مبنى على التعاون بحيث ان احنا ندى فرصة لجميع الشباب والأطفال انهم يجدوا مجال للراحة وللرياضة وللترفيه. وأعتقد أن المجلس الأعلى لرعاية الشباب سيقوم بهذا الواجب بعمل العديد من المعسكرات، وأعتقد إن الشباب يستطيع أن يساهم بهذا؛ فلو تمكن الشباب من أن يساهم فى بناء المعسكرات على الساحل من أبو قير إلى إدكو، ثم من إدكو إلى رشيد، وأقمنا طريق كورنيش من أبو قير إلى رشيد.
بنستطيع ان احنا نملأ المنطقة بالمعسكرات، ويستطيع كل فرد على مر السنة فى فترة الصيف والربيع والخريف إنه يجد فيها فرصة للراحة وللترفيه. وفى نفس الوقت تستطيع الحكومة أن تساهم من أجل تنفيذ هذا العمل مع المجلس الأعلى لرعاية الشباب؛ المساهمة المادية، وبذلك نقدر السنة الجاية نلاقى أكتر من معسكر.. باقول: تلاتة، أربعة، خمسة، السنة اللى بعدها بنلاقى ١٠ أو ١٥ أو ٢٠، وبدل ما يكون فيه ألفين أو ٣ آلاف نلاقى ٢٠ ألف و٣٠ ألف، ونستمر فى زيادة المعسكرات كل سنة. وفى الحقيقة كل فرد فى الدولة فى حاجة إلى الراحة وفى حاجة إلى الترفيه. والأطفال اللى عائلاتهم معندهاش الفرصة انها تجد وقت علشان انها تديهم ترفيه أو للانتقال إلى المصيف، بنقوم احنا.. بيقوم المجلس الأعلى لرعاية الشباب بعمل معسكرات لهم وعمل مراقبين لهم؛ وبهذا نقدر فعلاً نكون نفذنا المجتمع الاشتراكى الديمقراطى التعاونى.. جميعنا نتعاون بحيث ندى جميع الأفراد أو ندى كل فرد الفرصة بحيث يحصل على ما لا يستطيع أن يحصل عليه كفرد بدون التعاون.
وبهذا نستطيع أن نقيم بين ربوع هذا الوطن الحياة الحرة الكريمة، ونستطيع أيضاً أن نقوم بتنفيذ هذا المشروع فى الإقليم السورى؛ إما فى منطقة اللاذقية أو فى المناطق الجبلية. وبهذا نعطى الأطفال ونعطى الشباب والعمال فى الإقليم السورى نفس الفرصة، ولو نبدأ بالقليل من المعسكرات ثم بعد هذا نتطور.
قوة البلد بقوة جميع أبنائه، ولا يمكن أن تقاس قوة أى بلد بقوة الأقلية من أبنائه. واحنا فى نهضتنا الجديدة لابد أن نستمر فيها حتى نبنى هذا البلد؛ لنجعل منه البلد اللى نتمناه.. نجعل من المجتمع اللى احنا عايشين فيه، المجتمع اللى كل واحد فينا بينظر إليه وكل واحد فينا بيهدف إليه..
ودا بيحتاج مننا عمل متواصل، وفى نفس الوقت يحتاج مننا أن نوفر العيش الكريم، ونوفر الترفيه والراحة لكل العاملين فى جميع أنحاء الجمهورية.
هذا الوطن اللى بدأنا فى تشييده.. هذه الجمهورية اللى أقمتموها - الجمهورية العربية المتحدة - تحتاج إلى عمل متواصل؛ لإن احنا فى أول مرحلة من مراحل الاستقلال بعد القضاء على الاستعمار وأعوان الاستعمار، ودا يحتاج من كل فرد أن يعمل، ويحتاج من كل فرد أن يقوم بدوره فى بناء هذا الوطن.
وفى نفس الوقت لابد أن نعمل على أن نبنى بسرعة.. بسرعة متزايدة، نبنى فى جميع الميادين، ثم فى نفس الوقت ندافع عن جمهوريتنا وندافع عن الوطن العربى. والأعداء يحيطوا بنا؛ وهم نفس الأعداء التقليديين اللى تعرضوا لنا وهُزموا مرات، ثم سيطروا علينا حينما وجدوا الفرصة ليسيطروا علينا. لم ييأسوا ولم يتراجعوا عن أهدافهم، فمهما أعلنوا أنهم تراجعوا عن أهدافهم فى القضاء على قوميتنا العربية، وفى تفتيت وطننا العربى؛ فنحن لن نخضع ولن نستكين، لابد أن نكون دائماً على حذر، خصوصاً إن الأخطار التى تحيط بنا الآن أكتر من الأخطار اللى كانت تحيط بنا فى الأجيال الماضية.
الآن هناك إسرائيل.. فى الماضى ماكانتش فيه إسرائيل، دلوقت استطاعوا انهم يوضعوا قى قلب العالم العربى رأس جسر.. رأس جسر للعدوان.. إسرائيل اللى قامت على العدوان - وساعدها فى هذا الدول الاستعمارية - دائماً ستمثل الخطر؛ لإن إسرائيل دائماً ستريد أو ستحاول أن تتوسع على حساب الوطن العربى ومن أجل إبادة القومية العربية.
وستبقى إسرائيل منتظرة الفرصة المؤاتية.. الفرصة المناسبة، فإذا وجدت الفرصة ستنقض علينا. ونأخذ من هذا مثل فى سنة ٥٦ حينما وجدت إسرائيل أن هناك تجاوب معها من فرنسا وبريطانيا وتشجيع للعدوان على مصر، ثم وجدت إسرائيل من فرنسا وبريطانيا استعداد لإمدادها بالأسلحة والرجال، ومساعدة لإمدادها بالطيران؛ فرنسا إدتها ٣ أسراب طيران علشان تدافع عنها، وإدت لها ٣ قطع بحرية علشان تدافع عن حيفا. الأسطول الفرنسى والأسطول البريطانى ساعدهم فى الهجوم على رفح، والأسطول الإنجليزى ساعدهم فى الهجوم على شرم الشيخ، والأسطول الجوى؛ القوات الجوية البريطانية - الفرنسية إدتهم طبعاً مساندة من أول العدوان بالهجوم على القواعد الجوية المصرية.
حينما وجدت إسرائيل الفرصة لم تتردد بل اقتنصتها، وكانت فى هذا تعتقد إنها توسعت أو جاءت لها الفرصة لتتوسع؛ بدليل إنهم أضافوا سينا إلى إسرائيل.. أضافوا قطع من سينا. وكان اتفاقهم مع بريطانيا وفرنسا أن تأخذ إسرائيل بعد العدوان منطقة سيناء، وأن تأخذ بريطانيا وفرنسا منطقة القنال.
وحينما صدر الإنذار البريطانى - الفرنسى للجمهورية المصرية فى ذلك الوقت، وأُرسل إلىّ الإنذار فى يوم ٣٠ بعد الضهر، كان بيطالب بأن ننسحب غرب القنال بعشرة ميل.. غرب القنال بعشرة ميل، ونترك سيناء لإسرائيل، ثم نسلم بورسعيد والإسماعيلية والسويس للاحتلال البريطانى - الفرنسى. وأُعطينا مهلة ١٢ ساعة لنرفض أو نقبل هذا الإنذار، ثم لنسمح لفرنسا وبريطانيا باحتلال بورسعيد والإسماعيلية والسويس، ثم نتخلى عن سينا كلية لجيش إسرائيل. ولم يكن هناك طبعاً أى تردد فى القبول أو الرفض؛ ولكن رفضنا هذا الإنذار فى الحال فى يوم ٣٠ رغم ان كان فيه ١٢ ساعة علشان انتهاء هذا الإنذار.
ولكن باعتمادنا على الله استطعنا أن نهزم العدوان الذى اشتركت فيه دولتين من الدول الكبرى، واستطعنا أن نهزم أهداف إسرائيل اللى كانت اتفقت مع فرنسا وبريطانيا على أن تضم سينا إلى إسرائيل بعد انتصارهم فى العدوان.
وانسحبت إسرائيل من سيناء، ولم تستطع بريطانيا ولا فرنسا أن تستولى على القنال، وعادت كل هذه الخطط ضدهم. ولكن رغم هذا يجب أن لا نتردد فى أن نكون على حذر دائماً، فإذا وُجدت الفرصة خصوصاً بالنسبة لإسرائيل فلن تتردد فى اقتناصها. وإسرائيل تعنى بالنسبة لسكانها أو لقادتها المُلك اليهودى من النيل إلى الفرات.
إذن لابد أن نبنى بلدنا، وأن نكون على حذر، ولابد أن نبنى اقتصادنا بحيث يكون اقتصاد وطنى، ولا نخضع أو نقع مرة أخرى تحت احتكار السلاح كما وقعنا تحت احتكار السلاح فى سنة ٤٨. ولابد أن نرفع راية القومية العربية؛ لإن القومية العربية وشعاراتها ورايتها وإجماع الشعب العربى عليها هو السلاح القوى اللى يهزم الدول الكبرى كما هزم الدول الكبرى فى سنة ٥٦؛ لأن العرب فى جميع أنحاء العالم العربى هبوا للدفاع عن قوميتهم، وكانوا يعتبروا أن العدوان على مصر إنما هو عدوان أو تكرار للعدوان على القومية العربية بغرض إفنائها وبغرض تفتيتها. ولهذا هب الشعب العربى فى كل بلد عربى؛ هب الشعب العربى فى العراق وكانت هناك قوات بريطانية، وكان هناك أعوان للاستعمار، وكان هناك نورى السعيد، وكان هناك قتل ورصاص، ولكن الشعب العربى فى العراق عرّض نفسه لهذه الأخطار؛ لأنه كان يؤمن أن القضاء على القومية العربية إنما هو قضاء على العرب فى كل بلد عربى وعلى حقهم فى الحرية والحياة. وهب الشعب العربى فى سوريا وفى الأردن؛ وقام الشعب العربى فى سوريا بنسف أنابيب البترول، وحرموا نفسهم من العوائد، بل حرم العمال أنفسهم من أجرهم الذى كانوا يحصلون عليه نتيجة لعملهم فى خط أنابيب البترول.
وهب الشعب العربى فى كل بلد عربى.. لماذا؟ لأنهم كانوا يشعرون أن هدف العدوان ليس مصر فقط كمصر، ولكن دعوة القومية العربية التى ارتفعت والتى آمن بها الشعب العربى فى كل بلد عربى.
فعلينا اليوم ألا ننسى ما فات، وأن نكون دائماً على حذر، وأن نبنى بلدنا ونجهز أنفسنا للدفاع عن الوطن العربى فى أى وقت.
وكما حمل نصف مليون السلاح هنا فى مصر فى سنة 56 ليدافعوا جنباً إلى جنب مع الجيش فإننا سنحمل السلاح، ولكن مش نص مليون.. مليون و2 مليون و3 مليون؛ كل الشعب سيحمل السلاح ليدافع عن الوطن العربى سواء فى سوريا أو فى مصر. كلنا فى الجمهورية العربية المتحدة حنحمل السلاح إذا عُرّض أى جزء من الوطن العربى للعدوان أو عُرّض للخطر؛ بهذا نحمى وطنا، وبهذا نحمى قوميتنا، وبهذا لا نمكن إسرائيل ولا الاستعماريين الطامعين فينا أن يعيدوا ألاعيبهم مرة أخرى، وبهذا نستطيع - بعون الله - أن نهزم كل من يتعرض لنا. والله يوفقكم.
والسلام عليكم ورحمة الله