الدكتورة سمر الباجوري تكتب: منطقة التجارة الحرة الإفريقية القارية: الفرص والتحديات

الدكتورة سمر الباجوري تكتب: منطقة التجارة الحرة الإفريقية القارية: الفرص والتحديات


تعد منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية علامة فارقة في تاريخ القارة الإفريقية وفي مسيرتها لتحقيق الوحدة الإفريقية. وقد دخلت إتفاقية التجارة الحرة الإفريقية حيز التنفيذ في 30 مايو 2019، وتم اطلاق إشارة بدء التجارة في يناير 2021. هذه الإتفاقية تؤسس لإنشاء أكبر سوق تجارية في العالم تجمع دول القارة الإفريقية كلها (باستثناء اريتريا التي لم توقع بعد) تضم حوالي 1.2 مليار شخص بالقارة. وتهدف الإتفاقية إلى استغلال إمكانات القارة الإفريقية وسوقها الواعدة، وإزالة الحواجز التجارية وتعزيز التجارة بين دول القارة. وتلتزم الدول الموقعة على هذه الإتفاقية بإزالة الرسوم عن 90% من البضائع، حيث ستلغي منطقة التجارة الإفريقية الحرة التعريفة الجمركية تدريجياً على التجارة بين الدول الأعضاء بالاتحاد الإفريقي بغاية تحقيق التكامل الاقتصادي الكامل بين دول القارة.


وتتناول هذه الورقة خلفية عامة عن مراحل التي مرت بها إتفاقية التجارة الحرة الإفريقية القارية African Continental Free Trade Area (ACAFTA) ثم عرض لأهم المنافع الاقتصادية المترتبة على تفعيل هذه الإتفاقية ثم أهم المعوقات التي تواجه عملية التفعيل وتحقيق الاستفادة الحقيقة من مثل هذه الإتفاقية خاصة بعد جائحة كوفيد-19.  

أولاً: مراحل نشأة إتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية:
إن الحديث عن محاولات تحقيق التكامل الاقتصادي القاري في إفريقيا ليس بالجديد وإنما ترجع إرهاصاته الأولى إلى مرحلة ما بعد استقلال الدول الإفريقية وإنشاء منظمة الوحدة الإفريقية فبالرغم من تركز جهود منظمة الوحدة الإفريقية على الجوانب السياسية وفي مقدمتها مساعدة الدول الإفريقية على الحصول على استقلالها نظرا لأوليات هذه المرحلة إلا أن الأساس الفكري الذي قامت عليه هذه المنظمة كان يستند على فكرة التكامل الإفريقي وأن نهضة القارة الإفريقية السياسية والاقتصادية وتحقيقها لأي تقدم اقتصادي مرهون بقدرتها على تحقيق التكامل. وهو الأمر الذي تم ترجمته بعدها من خلال معاهدة أبوجا عام 1991 والتي دخلت حيز التنفيذ عام 1994. حيث تعتبر معاهدة أبوجا بمثابة خطة عمل نحو تحقيق التكامل الاقتصادي القاري من خلال تحقيق التكامل الإقليمي التدريجي بين دول القارة في تكتلات اقتصادية فرعية لتندمج هذه التكتلات لاحقاً مكونة سوقاً إفريقية مشتركة.

 
وكان من المفترض أن يتم تحقيق هذا التكامل وفقاً لمعاهدة أبوجا بحلول عام 2028 وذلك خلال مرور هذه التكتلات الفرعية بستة مراحل للتكامل: يتم في المرحلة الأولى تعزيز الجماعات الاقتصادية القائمة وإنشاء جماعات جديدة، ثم العمل على استقرار المرور والتغلب على معوقات التجارة الإقليمية وتعزيز التكامل القطاعي، ليتم بعدها إقامة منطقة تجارة حرة واتحاد جمركي على مستوى كل جماعة اقتصادية إقليمية، ثم الشروع في تنسيق الأنظمة المرورية وغير المرورية بي الجماعات الاقتصادية بهدف تحقيق اتحاد جمركي على مستوى القارة، يليه مرحلتي انشاء السوق الإفريقية المشتركة ثم في النهاية تحقيق التكامل الاقتصادي الكامل وإقامة بنك مركزي إفريقي واتحاد نقدي إفريقي .

وفي عام 1999 وفي قمة منظمة الوحدة الإفريقية التي عقدت بمدينة سرت في ليبيا تم الإعلان عن إنشاء الإتحاد الإفريقي كبديل لمنظمة الوحدة الإفريقية وفيه تم النص صراحة على اعتبار التكامل الإفريقي من أهم أهداف هذا الاتحاد وأولوياته، حيث نص ميثاقه التأسيسي على أن من مقاصده الرئيسية تعزيز التنمية المستدامة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وتحقيق التكامل بين الاقتصادات الإفريقية، وكذلك تنسيق سياسات الجماعات الاقصادية الإقليمية القائمة والمستقبلية لتحقيق مقاصد الإتحاد تدريجياً.


إلا أن التطبيق العملي لمراحل التكامل الاقتصادي الإفريقي واجهته العديد من المعوقات السياسية والاقتصادية ترتب عليها عدم الإلتزام بالإطار الزمني المنصوص عليه في معاهدة أبوجا وتباين التقدم المحرز على مستوى التكتلات الإقتصادية في تخطي مراحل التكامل الستة. وهو ما دفع إلى التعجيل بعملية التكامل ووضع إطار مختلف لتحقيق التكامل القاري في إطار أجندة إفريقيا 2063 (إفريقيا التي نريد) والشروع في إنشاء منطقة التجارة الحرة الإفريقية القارية على مستوى الدول بجانب دعم التكتلات الاقتصادية الإفريقية القائمة بالفعل.


وقد جاءت أجندة إفريقيا 2063 التي أعتمدها الاتحاد الإفريقي عام 2013 كخطة عمل للوصول بالقارة الإفريقية إلى التنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المنشودة من خلال تبنيها لسبعة تطلعات أساسية منها تحقيق النمو الاقتصادي الشامل والمستدام وكذلك تفعيل دور القارة الإفريقية ودمجها في الاقتصاد العالمي كشريك وفاعل أساسي. ولتحقيق هذه التطلعات قامت الأجندة على مجموعة مختلفة من الآليات كان من أبرزها انشاء منطقة التجارة الحرة الإفريقية القارية. والتي تعد فرصة حقيقية للدول الإفريقية لتنويع هياكلها الاقتصادية والإندماج بصورة أكثر فاعلية في سلاسل الإمداد العالمية. حيث تهدف إلى خلق سوق قاري متكامل للسلع والخدمات ودعم حركة رأس المال والأشخاص بين الدول الإفريقية بالإضافة إلى الإلغاء التدريجي للرسوم الجمركية وإزالة الحواجز غير الجمركية أما حركة التجارة البينية في إفريقيا . 


وبدأ التخطيط الأولي لإتفاقية التجاة الحرة القارية الإفريقية عام 2013 واستمرت مفاوضاتها عبر قمم الاتحاد الإفريقي المتتابعة. حيث عقد منتدى التفاوض الأول في فبراير 2016 تلاه ثمانية اجتماعات حتى التوقيع على الاتفاق المنشيء لمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية في قمة الاتحاد الإفريقي التي عقدت في كيغالي في مارس 2018. لتستمر بعدها المفاوضات الخاصة بالنقاط التفصيلية مثل سياسة المنافسة وحقوق الملكية الفكرية مع استمرار تصديق الدول الإفريقية تباعاً لتستوفي الحد الأدنى من عدد الدول المفترض توقيعها (22 دول) ثم تتوالى التوقيعات لتصبح تقريبا كل دول القارة الإفريقية جزءاً من هذه الإتفاقية (باستثناء اريتريا). ليتم بعدها الإعلان عن بدء سريان الإتفاقية في يناير 2021 مع استمرار المفوضات بشأن بعض التفصيلات الفنية. وملحق بالإتفاقية ثلاث بروتوكلات تشكل هي وملاحقعا جزءا لا يتجزأ من الإتفاقية وتتمثل في بروتوكول التجارة في السلع وبروتوكول التجارة في الخدمات وبروتوكول قواعد وإجراءات تسوية المنازعات.  وتخضع منطقة التجارة الحرة الإفريقية لخمس أدوات تشغيلية هي: قواعد المنشأ، منتدى التفاوض عبر الانترنت، ورصد وإزالة الحواجز غير الجمركية، ونظام المدفوعات الرقمية، ومرصد التجارة الافريقي. وتم اختيار غانا لتكون مقراً لأمانة منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.


ثانياً: المنافع الاقتصادية المتوقعة لمنطقة الحرة الإفريقية القارية:
تعتبر منطقة التجارة الحرة الإفريقية المزمع تفعيلها هي الأكبر في العالم من حيث عدد الدول المشاركة منذ تشكيل منظمة التجارة الحرة.  حيث تغطي منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية سوقًا يبلغ 1.2 مليار شخص وناتج محلي إجمالي بلغ عام 2019 (قبل أزمة كوفيد-19) قرابة 2.6 تريليون دولار في جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الإفريقي البالغ عددها 55 دولة، لتصبح منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية أكبر منطقة تجارة حرة في العالم منذ تشكيل منظمة التجارة العالمية. وتوفر هذه الإتفاقية –إذا ما تم استغلالها-  فرصة لدعم التنمية المستدامة في القارة الإفريقية وتعزيز التجارة البينية بين دولها، كما أنها تعد فرصة للتنويع الهيكل السلعي للتجارة الإفريقية بعيداً عن السلع الأولية التقليدية، مثل النفط والمعادن، نحو قاعدة تصدير أكثر توازناً واستدامة يكون قوامها السلع الصناعية. حيث تتمكن الدول الإفريقية التي تمتلك قطاع صناعي متقدم نسبياً من الإستفادة من الفرص المتاحة لتسويق سلعها في السوق الإفريقية، كما يمكن للدول الأقل تقدماً في المجال الصناعي الاستفادة من الارتباط بسلاسل القيمة الإقليمية من خلال إمداد الدول المصنعة بإحتياجتها من عناصر ومستلزمات الإنتاج البسيطة، فعلى سبيل المثال، يقوم مصدرو السيارات الكبرى في جنوب إفريقيا بإدخال مدخلات، بما في ذلك الجلود للمقاعد من بوتسوانا والأقمشة من ليسوتو، في ظل النظام التجاري التفضيلي للاتحاد الجمركي للجنوب الإفريقي.

كذلك يمكن للدول الزراعية أن تستفيد من تلبية متطلبات الأمن الغذائي المتزايدة في إفريقيا. حيث إن الطبيعة القابلة للتلف للعديد من المنتجات الغذائية الزراعية تعني أنها تستجيب بشكل خاص للتحسينات في أوقات التخليص الجمركي والخدمات اللوجستية المتوقعة من منطقة التجارة الحرة الإفريقية القارية .
 وقد قدر البنك الدولي المنافع الاقتصادية المترتبة على تفعيل إتفاقية منطقة التجارة الحرة الإفريقية بشكل كامل فيما تحققه من آثار إيجابية على مؤشرات الاقتصاد الكلي في الدول الإفريقية من جهة وكذلك الآثار التوزيعية لهذه الإتفاقية. حيث ذهب التقرير الذي الصادر عن البنك الدولي بعنوان: إتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية: الاثار الاقتصادية والتوزيعية  إلى أنه في حالة التفعيل الكامل للإتفاقية بحلول عام 2035 فسوف يترتب عليه زيادة في الدخل القومي بحوالي 7% أي قرابة 450 مليار دولار. وتأتي هذه المكاسب بصورة أساسية منما تتضمنه الإتفاقية من إزالة كاملة لكل قيود التجارة البينية في إفريقيا سواء الجمركية أو غير الجمركية. 


وتجدر الإشارة إلى أن المنافع الاقتصادية المتوقعة للتفعيل الكامل لهذه الإتفاقية ليست واحدة في كل الدول الإفريقية بل تتباين المكاسب التي تحصل عليها كل دولة وفقاً لمجموعة من العوامل الاقتصادية في الأساس والتي يأتي في مقدمتها طبيعة الهياكل الاقتصادية لتلك الدول ومرونتها وقدرتها على التأقلم مع الفرص التي تتيحها الإتفاقية. فعلى سبيل المثال من المتوقع أن يؤدي تفعيل الإتفاقية إلى زيادة الدخل القومي في كلٍ من كوت ديفوار وزيمبابوي بحلول عام 2035 بحوالي 14%، في حين تبلغ هذه النسبة حوالي 2% فقط في دول مثل مدغشقر، ومالاوي، وموزمبيق . وبشكل عام فإن هذه المكاسب أو المنافع تأتي بشكل رئيسي كنتيجة لإزالة القيود غير الجمركية على التجارة البينية الإفريقية أكثر منها بسبب إزالة القيود الجمركية التي لم يتجاوز النفع من إزالتها الـ 0.2% فقط كمتوسط على مستوى القارة الإفريقية.


كذلك من المتوقع أن يؤدي التفعيل الكامل للإتفاقية إلى دفع حركة التجارة الإفريقية سواء البينية أو الخارجية. حيث من المتوقع أن يؤدي إنشاء منطقة التجارة الحرة الإفريقية إلى زيادة إجمالي حجم الصادرات الإفريقية بحوالي 29%، بحيث ترتفع الصادرات البينية الإفريقية مع تفعيل الإتفاقية بحوالي 81% بحلول عام 2035، بينما تسجل صادرات إفريقيا إلى الخارج ارتفاعاً بقرابة 19%. وتتباين هذه الزيادة في الصادرات بين الدول الإفريقية المختلفة كرقم إجمالي وكذلك كهيكل سلعي.

فعلى سبيل المثال من المتوقع أن تحقق كلٍ من مصر، والكاميرون، وغانا والمغرب وتونس زيادة كبيرة في الصادرات خاصة الصادرات الصناعية تقدر بحوالي 62% كإجمالي و110% كصادرات بينية داخل القارة الإفريقية. أما المكاسب المتعلقة بالصادرات الزراعية فستكون أقل، حيث تقدر بحوالي 49% زيادة في التجارة البينية الإفريقية و10% في صادرات إفريقيا إلى العالم. بينما تبلغ الزيادة في الصادرات الخدمية حوالي 4% كإجمالي و 14% في التجارة البينية . 


وفي نفس السياق سيؤدي تفعيل الإتفاقية إلى دفع الانتاج والانتاجية في القارة الإفريقية إلى مستويات أعلى، من خلال تحفيز عملية إعادة توزيع وتخصيص الموارد بصورة أكثر فاعلية بين القطاعات الإقتصادية المختلفة بشكل يؤدي إلى زيادة حجم الانتاج الإفريقي بحلول عام 2035 بحوالي 212 مليار دولار وتتركز هذه الزيادة بصورة أساسية في قطاعي الصناعة والخدمات على حساب قطاع الزراعة.

ومن جهة أخرى، قد يترتب على تفعيل الإتفاقية مثلها مثل أي إتفاقية تجارية خسائر في الإيرادات الحكومية نتيجة ازالة الجمارك. إلا ان الوضع في إفريقيا مختلف، فحصيلة الجمارك الناجمة عن التجارة البينية الإفريقي منخفضة من الأساس لا تتجاوز في المتوسط 10% من اجمالي الحصيلة الجمركية. كما أن هذا الانخفاض من المتوقع أن يعوضه الزيادة في الصادرات الإفريقية إلى العالم الناجمة عن تفعيل الإتفاقية. وبذلك فمن المتوقع أن ترتفع الحصيلة الجمركية نتيجة للإتفاقية بحوالي 3% بحلول عام 2035. 


أما فيما يتعلق بالاثار التوزيعية لهذه الإتفاقية، فمن المتوقع أن تؤدي إلى الإتفاقية إلى خفض معدلات الفقر في إفريقيا حيث تساعد على خروج حوالي 30 مليون فرد من تحت خط الفقر المدقع و 68 مليون فرد من تحت خط الفقر بحلول عام 2035 لينخفض معدل الفقر في القارة الإفريقية من 34.7% وفقاً لإحصاءات عام 2015 إلى حوالي 10.9%.


ثالثاً: التحديات التي تواجه الإتفاقية: 
بالرغم من الإمكانات المشار إليها لإتفاقية التجارة الحرة القارية في تحقيق حلم التكامل الإفريقي، لا يزال هناك العديد من التحديات أو المعوقات التي تحول دون تحقيق هذه الإستفادة. ولعل المتأمل لوضع التجارة البينية الإفريقية الحالية في ظل اتفاقيات التجارة الإقليمية الموجودة بالفعل في القارة والتي تشكل تكتلاتها الإقتصادية الرئيسية الخمسة، يلاحظ تضاؤل حجم التجارة البينية الإفريقية مقارنة بالتجارة القارة الإفريقية مع العالم الخارجي حيث تشكل التجارة البينية الإفريقية 17% فقط من حجم التجارة الخارجية الإفريقيةن وهي نسبة منخفضة للغاية مقارنة بالتكتلات الاقتصادية الناجحة مثل الاتحاد الأوروبي والذي تشكل تجارته البينية حوالي 69% من اجمالي تجارته الخارجية.


والحقيقة أن هذه التحديات ورغم وجود نوايا حقيقية للتحقيق التكامل الاقتصادي لاتزال موجودة في إفريقيا ولم يتم التعامل معها بشكل حقيقي أو على مستوى العمل على أرض الواقع بعيداً عن الاتفاقيات أو المبادرات. فالمتأمل حتى لوضع إتفاقية الحرة الإفريقية وبعد مرور أكثر من عام على دخولها حيز التنفيذ يلاحظ عدم وجود أثر فعلي أو حقيقي لهذه الإتفاقية مع ضعف معدلات إلتزام الدول تجاها. ففي تقرير عن مدى إلتزام الدول الإفريقية تجاه إتفاقية التجارة الحرة القارية ومدى جاهزيتها للتنفيذ الصادر عن مؤسسة Afrochampions بلغ متوسط معدل إلتزام الدول الإفريقية تجاه الإتفاقية Commitment level index حوالي 44.84% فقط بينما بلغ مؤشر الجاهزية للتنفيذ Implementation Readiness Level حوالي 49.15% .

وبالرغم من تباين أداء الدول الإفريقية بشكل إجمالي يشمل كلٍ من الإلتزام والجاهزية للتنفيذ إلا أن الملاحظ أن أكبر ثلاث اقتصادات إفريقية مصر(52.7%) وجنوب إفريقيا (58.6%) ونيجيريا (43.6%) ليست من ضمن العشر الدولى الأعلى وفقاً لهذا المؤشر بالرغم من أن مصر وجنوب إفريقيا من أكبر المستفيدين اقتصادياً من تفعيل هذه الإتفاقية. كما أن نيجيريا من الدول التي وقعت على الإتفاقية متأخراً بل أنها لاتزال في مرحلة التصديق . كذلك فلا يوجد دولة إفريقية واحدة أعلنت عن خطة أو استراتيجية وطنية لتنفيذ اإتفاقية أو حتى جدول زمني للإلتزامات المطلوبة لتفعيلها بالرغم من مرور أكثر من ثلاث سنوات من التوقيع المبدئي على إتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية في 2018 .

وهو ما يعكس الأزمة الحقيقية في مسار التكامل الإفريقية والتي واجهت التكتلات الإقتصادية الفرعية سابقاً ويبدو أنها تواجه إتفاقية التجارة الحرة القارية حاليا والتي تتمثل في وجود فجوة كبيرة بين الدخول في اتفاقيات ومبادرات اقتصادية مختلفة لأهداف قد تكون في بعض الأحيان سياسية وبين التطبيق العملي وما يتبعه من إلتزامات اقتصادية تجاه عملية التنفيذ. وهو ما يرجع في العديد من الأحيان إلى ما يتضمنه التطبيق الكامل لمثل هذه الإتفاقيات من تصور ذهني عند العديد من الدول الإفريقية بنقصان في السيادة أو في أحيان أخرى بعدم عدالة توزيع المكاسب بين الدول الإفريقية وهو الأمر المرتبط كما سبقت الإشارة بإختلافات الهياكل والخصائص الإقتصادية لتلك الدول. كذلك فتأخر العديد من الدول وتحفظها على التوقيع على بروتوكول حرية حركة الأفراد  على سبيل المثال من شأنه أنه يحد من الأثار الاقتصادية أو المكاسب المتوقعة لهذه الإتفاقية لما يترتب عليه من تعطيل لعملية إعادة أو تخصيص العمال بين القطاعات والدول المختلفة بشكل يؤدي إلى في النهاية إلى رفع الأجور والانتاجية.  


وختاماً، تعتبر إتفاقية منطقة التجارة الحرة وبدون شك خطوة هامة في طريق تحقيق حلم التكامل الاقتصادي الإفريقية وضرورة حتمية لتحقيق النمو الاقتصادي الشامل والمستدام وجزءاً لا يتجزأ من جهود القارة الإفريقية في تحقيق تطلعات أجندتها الطموحة 2063. إلا أن الطريق نحو التكامل الاقتصادي الكامل وتفعيل منطقة التجارة الحرة الإفريقية بشكل يضمن تحقيق أهدافها ليس بالسهل أو الممهد، فلا تزال هناك العديد من التحديات الإقتصادية وغير الإقتصادية التي يجدر على الدول الإفريقية مواجتها والتعامل معها بشكل جاد حتى يمكن تحقيق هذا التصور الإفريقي وخروجه من إطار المبادرات أو الإتفاقيات غير المكتملة.